﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (١)، يقبل الأرض بالمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الافضلي النوري، جعل الله الليالي والأيام من جنده، وأظهر آيته في اعتلاء أمره وتجديد جده، ووهبه ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وعَقَدَ له لواء نصر لا شركة للناس في عقده، ويهنيء مولانا بأثر نعم الله المؤذنة باجتبائه، حتى بلغ أشده. واستخرج كنز آبائه، ولو انصف لهنّأ الأرض بوابلها، والأمة بكافلها، خصوصًا أرض مصر؛ لأنها قد حظيت بسكناه، وغَدَت في بحرين من فيض البحر وفيض يمناه، فأصبحت تشمخ بأنفها، وتسطو بطرفها، وتُجِيرُ من الأيام وصرفها، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، أو سيقت له الجنة بنضارتها وسرورها:[من الكامل]
ما زلت تدنو وهي تعلو عِزَّةً … حتى تواري في ثراها الفرقد (٢)
وقد كان منتهى أمل الأدباء أن تعود الضالة إلى ربها، وتفك الطريدة المغصوبة من يد غاصبها، فأتى فضل الله بما لم يؤمله أمل الآمل، وعوض عن القطرة الواحدة بسحاب هاطل، وهذه نعمة يضيق عنها مجال القول المعاد، ويسرع بياضها في سواد الحساد، فلو غَدَت الجباه ساجدة، والقلوب حامدة، والأيدي ترفع الدعاء بادية وعائدة، لما وفى في ذلك بحقها، ولا أخرج الأعناق من عهدة رقها، وأحسن ما فيها انها زارت على غير ميعاد وحثت ركابها من غير سائق ولا حاد، وتخطت وقد ضرب دونها بسور من صدور الظبى ورؤوس الصعاد، فلم يكن لأحد فيها منة سوى الله الذي قرب بعيد اسبابها، وفتح مستغلق أبوابها، وأبرزها على حين غفلة من حجابها، فيجب على مولانا ان يختزنها بالانفاق، وان يقيدها بالاطلاق، وان يقص اجنحتها لتظل طائرةً في الآفاق، والمملوك في هذه الوصية كصيقل نصل له من جوهره صقال، وعاصر سحاب له من نفسه انهمال.
ومنه قوله في المجانيق:
ونصب المجانيق فأنشأت سحابا يخشى محلّها، ولا يرجى وبلها، فما سيقت الى بلد حي إلا أماتته، ولم تأتِهِ إلا أتاه أمر الله إذا أتته، فلم تزل تقذف السور بصوبها المدرار وتنزل عليه جبالًا من بَرَدٍ غير أنها من أحجار.
(١) سورة الانبياء: ١٠٥. (٢) البيت للمتنبي (ديوانه ص ٤٩).