ثوب دمائها، وحمامة حم عليها نزع ذمائها، ومن كروان فجع بينهم فراخه، وأوزة ودت لو جاءت الى الصائد ومكيد فخاخه، فلم يضرنا مع ذلك فقد المنتخب من الجوارح، وكان اليوم كيوم المحصّب من كثرة الذبائح، وشهدت في خلال هذا المتنزّه من لطائف اللذات ما يغلو على مستامه، ولا يجيله خاطر المنى في أوهامه، وإذا تذكرته النفس اعاد آخر طعمه أوّله، وقالت: نرى الدهر نام عنه أو أغْفَلَه، على أنه لا يستغرب مواتاة مثله لمثل هذا السلطان الذي الأيام له عبيد، ولا تُمضي إلا ما يُريد، ومن اكرم نعم الله علي ان أصبحتُ من خدمه معدودًا، وعلى خدمته محسودًا، فلهذه النعمة ان أمسكها إمساك الشكور، ولأصاحبها مصاحبة الغيور، وقد كنت بالأمس أنذر لها نذورًا، وأنا الآن واف بتلك النذور والسلام
ومنه قوله من كتاب كتبه في معنى كتاب فاضلي كتبه الى الظاهر يعزّيه بوالده، وكان جرى حديث هذا الكتاب في بعض المجالس، فاستحسن، وطلب الجماعة الحاضرون أن يُعارض بمثلِهِ، فأملى هذا الكتاب عليهم، وكان المتوفى قد مات وقت الصباح:
كتب المملوك كتابه هذا في ساعة أفلت الشمس فيها عند الصباح، وذهبت بروح الدنيا التي ذهبت بذهابها كثير من الأرواح، وتلك ساعة ظلت بها الألباب حائرة، وتمثلت فيها الأرض مائرة، والجبال سائرة، وأغمد سيف الله الذي كان على أعدائه دائم التجريد، وخفّت الأرض من جَبَلِها الذي كان يمنعها ان تميد، وأصبح الإسلام وقد فقد ناصره، فهو أعظم فاقد لأعظم فقيد، وليس أحَدٌ من الناس الا وقد أصم سمعه الخبر وأصيب في سواد القلب والبصر، وقال وقد توفي رسول الله ﷺ بقول عمر، ولما غلبت على الدفاع عنه ألقيتُ بيدي، إلقاء مكسور الجناح، واستنجدتُ الدموع، والدموع من شرّ السلاح، ونظرت الى العساكر حوله ولا غناء لها عن كثرة السيوف والرماح، وقد ودّعته وداع مَنْ لا مطمع له في أيامه، وحال الترب بيني وبينه، فصار بعيدًا منّي على اقترابه، وبرغمي ان يمشي لي قَلَم بعزائه، وأن أكاتب به أعزّ أعزائه، ليس عندي صبر حتى أحث على مثله، ولو كنت من رجاله لغلبني الأسى بخيله ورجله، والذي يستنطقه المولى من رأي فإن هذه الرزية أخرسته عن الكلام، وتوفته مع مخدومه الذاهب فاستويا جميعًا في الحمام، ولكن في وصية عبد الملك لاولاده ما يغني عن الآراء واستنطاقها، وقد ضرب لهم مثلًا في الاجتماع والافتراق باجتماع القداح وافتراقها، والسلام.
ومنه قوله مما كتبه الى الأفضل علي (١) عند عودته الى الديار المصرية المحروسة:
(١) الملك الافضل: علي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، استقل بمملكة دمشق بعد وفاة أبيه، ثم اخذت منه وأعطي صرخد، مات بسمسياط سنة ٦٢٠ هـ. وكان أديبًا عالمًا يقول الشعر (وفيات الاعيان ٣/ ٤١٩).