إذا حكمت سيوفنا في أموال العدا، حكمت فيها وسائل الندى، فهي طالبة ومطلوبة، وسالبةٌ ومسلوبة، إلا أنها تأخذ ما تأخذه اقتسارا، وتعطي ما تعطيه اختيارا، فلها بسطة الغالب ومنة الواهب.
ومنه قوله في شكر منعم:
إذا تقابَلَتْ مدائحي وسجاياه، رأيتُ مرآةً صقيلة، تقابل صورة جميلة، فلولا هذه ورونق صقالها لما تمثلت تلك على هيأة جمالها، وأنا أوّل من طبع مرآة من الكلام، وصوّر الأخلاق فيها بصورة الأجسام.
ومنه قوله:
وردت إشارة سيدنا أن أنظم في فلان قصيدًا يكون في نظمه فريدًا، وقد علم أن أحرار الكلام وردت ان لها عزة الاحرار، وهي كالنفوس الأبية في الاستعلاء والاستكبار، فإذا كلفت مدح لئيم صدّت مجانبة وذهبت مغاضبة، ولهذا أبى كلامي وهو الحر في نَسَبِهِ، الكريم في حسبه ان يمدح مَنْ عرضه حراق قادح، وفريسة جارح، وطعمة هاج لا مادح، ولطيمة الطيب لا تلتئم بالكنيف وصورة الشوهاء لا يزين منها التسوير والتشنيف.
ومنه قوله في قلم:
أخرس وهو فصيح الإيراد، وأصم وهو يسمع مناجاة الفؤاد، لا ينطق إلا اذا قطع لسانه، ولا يضحك إلا إذا بكت أجفانه.
ومنه قوله في تفضيل الإحسان على الثناء:
الشكر أخف من الإحسان وزنًا، وصاحبه يستبدل الذي هو خير بالذي أدنى، ولقد ربحت صفقته إذا باع أقوالًا وحاز أموالًا، وأعطى كلمات خفافًا، وأخذ عروضًا ثقالًا، ومَنْ زَعَمَ ان شكر الشاكر أفضل من موهبة الواهب فقد أغلى القول فيما ليس بغال، وأتى ويده السفلى من مكانٍ عال، وأي فضل لمن غايته ان يكون مجازيا لا موازيًا، ومعاملًا لا معادلًا؟ وإذا أنصف علم أنه جاء أخيرًا، ولا فرق بينه وبين من أعطى أجره فصار أجيرًا، وما ارى الشكر إلا حديثًا يذهب في الرياح لو لم تقيده مكارم السماح، فلا حاجة مع لسانها الى الشاكر، وإذا نطقت الحقائب فقط أغْنَتْ بنطقها عن مديح الشاعر (١).