للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنه قوله في الخمر:

سقيت مغارسها بالسرور بدلًا من الماء، وجمع لها بين وصفين من تذكير الافعال وتأنيث الأسماء، وما سجنت في دنّها إلا لما عندها من النفار، وكانت حمراء اللون فألبسها طول السجن ثوب الاصفرار، وقد شبهت بالنار الموسوية في تألّق ضرامها، وبالنار الخليلية في بردها وسلامها، وإذا نظر إليها والى زجاجها اشكل الأمر بينها وبين الزجاج، وقيل هذا سراج في كأس أم كأس في سراج؟

ومنه قوله:

النفوس تؤثر الخير تكلفًا والشرَّ طبعًا، وهي مجبولة على حبّ الشهوات قلبًا ولسانًا وبصرًا وسمعًا، ولكن للتدريج أثر في تقويم الاعوجاج واصطناع الياقوت من أحجار الزجاج، ولهذا استخرج من اوراق الشجر وشايع الديباج.

ومنه قوله في المدح:

إذا أفضتَ في الثناء عليه تنافَسَ النظم والنثر في الاستقلال بأوصافه، وما منها إلا من فض ختام طيبه ونشر مطاوي أفوافِهِ، فما ترى في مديحي لمولانا من حسن فليس لها مخلوقًا، بل من أوصاف سيدنا مسروقًا. [من البسيط]

إذا القصائد كانت من مدائحهم يومًا … فأنتَ لعمري من مدائحها

ومنه قوله:

المال يكون في خزائن أربابه صامتًا، وإذا خرج في العطايا صار ناطقًا، فيا قُبْحَهُ في أيديهم حبيسًا، ويا حسنه عنهم ابقا، ولم يسمع قبله بابق أفاد صاحبه حمدًا، وبنى له مجدًا.

ومنه قوله في قريب منه:

جود مولانا قد هون على الناس مشقة الاغتراب، وأراهم من نعيم الأنعام ما حبّب إليهم فراق الأحباب، فما منهم إلا مَنْ يحمد خطوب الأيام التي أخرجته من دياره، ونقلته عما لم يؤثر الانتقال منه إلى ما لقيه من إيثاره، فمثال بابه الكريم بقتلى الايام، كمثل الجنة بقتلى الحمام، فلو علم داخل الجنّة انها تكون له مصيرًا، لاستعذب كأس الحمام وإن كان مريرًا، وذلك كما قال ابن الخياط (١): [من البسيط]

لأشكرن زمانًا كان حادثه … وصرفُهُ بي الى معروفكُمْ سَبَبا


(١) ديوان ابن الخياط: ٧٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>