للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عدمه، في سعادته وشقائه، وصحته وسقمه، وأشباه ذلك من الزخارف التي نصبوها حبائل للاكتساب على غير ذوي الألباب، وكلها أضغاث أحلام، وأوضاع لا تخرج عن خط الأقلام.

ومنه قوله:

ولم أبك إلا عصر الشباب الذي هو في الأعمار بمنزلة الربيع من الأعوام، وما كنت أعرف كنه أمره، حتى مضى فرحلت معه الحياة بسلام، فالأيام فيه غوافل، والسنون لقرب عهدها مراحل، ولم أقْضِ وطرًا إلا خلفت أندى منه مرتعًا، وأحسن مرءً ومسمعًا، أيام لا أعاقر خمرةً إلا لمى، ولا وردةً إلا خدا، ولا نقلا إلا فما، ولكأني ما كنت قمرا حلف إلا بالقدود وهيفها، والجفون ووطفها، وليالي الذوائب وشرفها، ووجوه الأقمار التي لا تشاب بكلفها، ولا يرى في غرر الشهور ولا في منتصفها، فأصبحت قد بدلت غريب الأحوال بأليفها، وعوضت من نضرة الأوراق بيبس خريفها، فولى الصبا الآن بسلام، ولوعة ينبيء بها الدمع السجام.

ومنه قوله فيمن قصر:

ولتقر تفاح الخدود، فلست من تقبيله غرا، ولا من عضه، اللهم غفرا، وقد ينطق المرء بما يكون فيه لسانه آثمًا وفعاله برا، ولولا حكم الفصاحة لما ذكرت بانة ولا علم، ولا وقف المتغزل بأقوله موقف التهم.

ومنه قوله:

لما عود الطير من جزر أعدائه تتبعه أسرابا، واستسقى سحابها ما تحته من سحاب خيله، فاستسقى سحاب سحابًا، ولقد مرت عليه الشمس فضعفت ان تحرق جناحا، أو تحمي بحرها سلاحا، فلم يلق بين الريش فرجةً ينثر فيها دراهمها، ولربما خالَسَها النظر إذا هزت قوادمها.

ومنه قوله في الاستعطاف:

المولى إذا لين له غُلِبَ على أمره، وأزيلت مغيظة صدره، وهذه خليقتان من البعيد الذي يمسه بلحمة، ولا يمت إليه بحرمة، فما للظن بالقريب الذي فاز بمزية الشركة في عرقه، وفضل الجوار لاحق أوجب من حقه، فكيف نسي المولى عادة كرمه، ووضع وجوه قومه تحت قدمه، وجعلهم حصائد سيفه وقلمه، وحاشاه أن يقطع رحمًا أوصاه الله بوصلها، ويعضد (١) شجرة أصله الكريم من أصلها، ويزعم بأنهم أخرجوه من معهود خلائقه، وبدلوا أنواء غيوثه بمخيلة صواعقه، ولكنهم شفعوا


(١) كذا في الأصل: ولعل الصواب: يخضد.

<<  <  ج: ص:  >  >>