فغدت حينئذ نجزةً من الخيل تدرك ما كانت به طالبة، وتفوت ما كانت منه هاربة، لا تَمَلُّ من موالاة الدروب، وهي عند النزول كمثلها عند الركوب. فما استويت على ظهرها، عقدت مع الرحى عقد الرهان، وعَرَضَتْ عليها حكم الشقراء والميدان، ثم قلتُ: ان استشعرت مسابقتي فقد جئت شيئًا فريا، وتلت قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (١) وما كان إلا هنيهة حتى حال الركب للرواح عند الإظهار، واستسلمت المدى بالتقريب قبل الإحضار، وجئت القرآن فلقيته منها بصدرٍ يطارد الامواج مطاردة الفجاج، وعين لا يروعها هبوات الماء كما لا يروعها هبوات العجاج، فتلك فرسي التي أعدها لكل مخوفةٍ، وهي حوت كلّ مَعْبَرٍ، وظليم في كل تنوفة.
ومنه قوله في الناقة والفرس:
سِرْتُ وتحتي بنتُ قفرة، لا يذهب السوى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بإثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام قيل: أكمة من الأكام، ولم تسم جسرةً إلا أنها تقطع عرض الفلا كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت حرفًا إلا أنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل، يقبل بجذع ويدبر بصخرة، وينظر من عين جحظة، ويسمع بأذن جسرة، ويجري مع الريح الزعزع فيذرها وقد ظهر فيها أثر الفترة، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على آثارها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه فلم يبرح، والكواكب قد ركَدَتْ فيه فلم تسبح، وإنما أود لو زاد طوله، فلم تظهر غرّة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: انه أدنى المبعد، وأكمّ الأنوا ودلّ عليه القول النبوي «بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار»، وما زلتُ أسير مرتديًا بثوبه حتى يكاد أن ينضو لون السواد، وظهر ذنب السرحان، فأغار على سرح السماء، كما يغير السرحان على النقاد، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نَهْلَة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة، وإنما كان على ظهر السائر.
ومنه قوله في الخاطر:
الخاطر كالضرع، إن حلبته طف، وان تركته جف.
ومنه قوله:
لا ريب في أن لحاظ النواظر كمتون البواتر، وإنما اشتركت جفونهما في