وأكْرِمْ بيديهِ التي تسمح بديّة القتيل، ويرى الكثير من عطائها بعين القليل، وما كل من شاء استمرّت يده بالسماح، وقد تحجم عنه من تقدم على مكروه الصفاح، على أنه قد قيل: إنَّ بين التسميتين إخاء، فالسخاء يكون نجدة، والنجدة تكون سخاء، ومصداق هذه القول اجتماعهما لليد الكريمة التي ألِفَتْ إنجاح الوعد وإنجاح الوعيد، وضَمِنَتْ ارزاق الناس وارزاق الحديد، وقالت في الندى: هل من صاد، وفي الوغى: هل من مزيد؟ فالساري الى أبوابها لا يصل إليه في نهج السرى وهو مهتد منها على قبس القارع، أو قبس القرى.
ومنه
قوله في وصف هملاج (١) له:
في العربية حسب أصلها، وفي العجمية نسيب جهلها، فهو من بينهما مستنتج، لا ينسب الى الضبيب (٢)، ولا الى أعوج (٣) سديد الحملة، شديد الجملة، لا يُشان بالغلو، ولا يتعب راكبه بفرط العلو، أثْبَتُ من الصافنات صبرًا، وأوطأ ظهرًا، وأطوع للتصريف، وأسلم في الهيكل والوظيف رحب اللبان، عريض البطان، سلس العنان، طوع الكرة والصولجان قد استوت حالتاه بادنًا ومضطمرًا، فإذا أقبل خلته مرتفعًا، وإذا أدْبَرَ خِلْتَهُ منحدرًا، كأنه دمية محراب، أو درة هضاب، فهو مخلق بخلوق المضمار، وبدم الشرب والصوار بناصية شائلة، وغرة سائلة، كنوارة في شقيق، ولؤلؤة في عقيق، يثنى عليه بأفعاله، لا بعمه وخاله، وإذا كان الكريم في كل جنس، فهو كريم جنسِه، وإذا كانت العِراب بأنسابها أبناء أمهاتها، فهو ابن يومه لا ابن أمْسِهِ. كأنما ألقي لجامه على سالفة عقاب، أو شدّ حزامه على بارقة سحاب.
ومنه قوله في الخيل والسير:
ولما دهم نزلنا للاستراحة، والهجير في الاستعار وقذف بالدرك الأسفل من النار، والحرباء قد لجأ الى ظلّ المقيل، وسمح بمفارق عين الشمس، وهو بها عين البخيل، فلم يكن إلا مقدار وضع الرجل من الركاب، ومصافحة الجنب لصفحة التراب، حتى قيل: قد فجأتكم عصابةٌ من أهل العبث، تشد في ضرائها، وتجنب نقعها من ورائها، وقد فَرَطَتْ أجيادها بأعنّتها، وطاوَلَتْ هواديها بأسنّتها،
(١) الهملاج: من البراذين، والهملجة: حسن سير الدابة في سرعة (القاموس). (٢) الضبيب: فرس مشهورة كانت لحسان بن حنظلة الطائي، حمل عليه كسرى ابرويز يوم النهروان فنجا (أنساب الخيل ٩٥). (٣) اعوج: من الخيل المشهورة كان لاحد ملوك كندة (أنساب الخيل ٢١).