وَرَدَ كتاباه الكريمان فسرًا وبرا، وتصرفا في القدر فنصبا، وفي الطرف فرفعا، وفي الأنس فجرا، وما وقف على صدر منهما إلا شهد القلب بأنه أولى الصدور بأن يكون صدرا، ولا أهديا إليه يدًا كبرى إلا افضيا به إلى بحر، وما دار في خَلَدِهِ أن البحر يكون كله درًا، وتحقق ما له منه من مناب يصرفه كلما ناب، ويؤنسه في كل ما راب، ويلبيه إذا دعا، ويزيده بصيرةً إذا أجاب، ويصله إذا غبّ ويحضره إذا غاب، ويبعث عزمه إذا ألبَ؛ ويورد أمَلَهُ إذا لاب، فعلى هذا، المقدمات تنتج، ومتى عرضت عوارض من الشك تزدحم، سَنَحَتْ سوانح من الثقة تفرج، وقد علم ما رامت عليه هذه الأحوال التي يظنّ انها في أعقابها وهي في مباديها، وما أسْفَرَتْ عنه هذه الليالي التي يحسب انها في بلجة غررها وهي في دهمة دآديها، وليس للمعضل من الداء إلا كية، وليس للغازي إلا الشهاب الذي يدخر به استراقه ويحسم به غيّه، وقد طالع الديوان العزيز بما يرغب في الوقوف عليه، والمشورة بما وقعت الإشارة إليه، فلم يكلف المجلس ذلك إلا لأن الملتمس من التقليد لصلاح الجملة وصلاح الدولة، باد، قبله، ولمحل الخلافة شرفها الله رافع قبل أن يرفع محله، وما شام من ذلك أمرًا يصعب مثله، ولا ذخرًا يتعذّر بذله، ولا جيشًا يخلو فناء الخلافة بأن ينقص عنها جعله، ولا عزل وال يجلُّ على الإسلام عزله. ولا تجريد سيف من يد الخلافة العالية يتوقى أن لا يمضي نصله، ولم يسم إلا إلى ما أفاده إليه ولاؤه، واعتقاده، ووفقه عبده نظره واعتقاده من أن يكون نظره شرعيًا، وتصرفه بعين الخلافة مرعيًا، وتقلّده سنيًا، وجمعه اجماعيا، فتكون الأمور أمرًا واحدًا، والمناهج المختلفة القصد نهجًا قاصدًا، والرايات القاعدة عن الكفار رايةً مستقلة، يؤنسها الانفراد، وينهضها الجهاد، ويبيض عواقبها السواد، لا تختلف تحتها الآراء، ولا تتشتت عندها الأهواء، ولا يعوزها النصر في الأرض إلا أن ينزل من السماء، ولا يحوجها التأييد، إلا أن تصحر إلى الفضاء، هذا إلى ما ينضاف إلى يد الخلافة وكلمتها من بلاد بها تخص ومنابر ومنائر تعلو سماؤها عليها وتنص، فالسعادات سمحة إن تسمحوا، والدنيا مستفتحة إن تستفتحوا والممتنعات ما دونها حجاب والدين لا يصلب دون فطرته صخر، ولا يبعد دون تناوله سحاب والمجلس السامي يتأمل المراد بعين الولاء، ولخادمه بعين المحبّة، ويعلم أن مثل الحروف المثبتة في هذا التقليد ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (١)، وما أحراه في ذلك