هذا مع عفو الخاطر (٢) فكيف إذا استدعى المجلس خطية خطة فجاءت تعسل، وحشد حشود بلاغته، فأتت من كلِّ حَدَبٍ تَنْسِل (٣).
ومنه قوله (٤):
وَرَتَعَ في رياض بلاغته التي لم يقتطفهنّ من قَبْلِه غارس ولا جان. واجتلى الحور المقصورات في الطروس التي لم يطمثهن أنس قبله ولا جان، وغني بتلك المحاسن غنى خيرًا من المال، واعتقد فيها كنوزًا (٥) إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال.
ومنه قوله أيضًا (٦):
كتابا اشتمل على بديع المعاني وباهرها، وزَخَرَتْ بحار الفضل، إلا انني ما تعبت في استخراج جواهرها، بل سَبَحَتْ حتى تناولتها، وَجَنَحَتْ إلي فما حاولتها، وأقتبست من محاسن أوصافه وبدائع أصنافِهِ، نكتًا استقلت أجسامها (٧) بالأرواح، وَزَهَتْ جيادها بما فيها من الغُرر والأوضاح، فيا الله من بدائع وروائع ولطائف وطرائف، فيها ماتشتهي الأنفس وتلد الأعين، وما يقرّط الأسماع وتقرظ الألسن، كأنه طرف طرف، صوبه مدرار، وعَلَمُ عِلْمٍ منصوب في رأسه نار، صحح السحر وإن كان ظنًا، وفضح الدرَّ إذ (٨) كان أبرع معنى، وأسنى حُسْنًا، وأدنى مجنى، وأغنى مغني، فما ضرت تأخير زمانه، مع تقديم بيانِهِ، ولا مَنْ سَبَقَهُ في عصره، مع أنه سبق في مصره (٩).
ومنه قوله (١٠):
والله هو من كتاب، لما وقفَتْ عليه الغُلَّةُ شفاها، وحدثها الود شفاها. ورأت وردها كل ماء غيره شفاها (١١)، ووطأ مضاجع أُنْسِها بعد أن كان الشوق يقلب الجنوب على سفاها (١٢)، فلا عُدم ودّها الذي به عن كل مودة سلوة، ولا برحت
(١) نهاية الأرب ٨/ ٤٤. (٢) في نهاية الأرب: الخواطر. (٣) تنسل: تسرع. (٤) نهاية الأرب ٨/ ٤٥. (٥) في الأصل: كؤوسًا وهو تحريف، والتصويب عن نهاية الأرب. (٦) نهاية الأرب ٨/ ٤٥. (٧) في نهاية الأرب: أجسادها. (٨) في الأصل: وإن. (٩) في نهاية الأرب: شعره. (١٠) نهاية الأرب ٨/ ٤٦. (١١) في نهاية الأرب: شفاها، أي جهلًا. (١٢) في الأصل: شفاها وهو تحريف، والسفاه: الشوك.