جَعَلْتُ الاقلام له أنْجُما (١)، وحَسَبَتْ النَّفْسُ ليلا والكتاب طيفًا، والوقوف عليه حُلْما، إلى أن قضت النفوسُ وَطَرا، وحَمَلَتْ الخواطر خَطَرا، وقرنته بما ظنَّهُ سحابًا ما ظنَّهُ مَطَرا، هذا على أنه قريب العهد بيد النعماء، فإن هرب فمن ماء إلى ماء ..
ومنه قوله (٢):
وقف على الكتاب [و] جدد العهد بِلَثْمِهِ، لما لم يصل إلى اليد التي بعثته، وشفى القلب بضمه عوضًا عن الجوانح التي نَفَثَتْهُ (٣): [من المتقارب]
وأين المطامع من وَصلِهِ … ولكنْ أُعلل قلبًا عليلا
ومنه قوله ﵀(٤): وصل كتابه فكان من لقائه طيفًا إلا أنه أنس (٥) بالضحى، وأثار حرب الشوق، وكان قطب الرحى [من الطويل]
تخطى إليَّ الهول والقفر دونَهُ … واخطاره لا أصغر الله ممشاه
ومنه قوله يصف بلاغة كتاب (٦):
كتاب إلى نحري ضممته، وذكرتُ به الزمن الذي ما ذممته، وأكبرت قدره، فحين تسلّمته أستلمته، والتقطت زهره فحين لمحته استملحته، وامتزج بأجزاء نفسي فحين لفظته حفظته، وجمعت بينه وبين مستقره من صدري، واستطلت به مع قصره على حادثة دهري، وجعلت سِحره بين سَحْري ونحري، واستضأت به ورشفته، فهو نهاري، وهو نهري، فإن أردتُ العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدي، وإن أردتُ السكر بلا إثم (٧) أدرتُ كأسه في خلدي، فلله أنامل رقَمَتْهُ ما أشرف آثارها، وخواطر أمْلَتْهُ ما أشرق أنوارها، ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير، وليلة فيها سمير، وإمارة لها سرير، ومسرّةٍ أنا لها طليق أسير، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير، حتى أدْبَرَتْ عني جيوش الأسى مفلولة، وقَصُرَتْ عنّي يَدُ الهمّ مغلولة، ومُلئت مني مسامع الكلام حمدًا، وخواطر الصنائع ودًا، وحط الأمل بربعي رَحْلَه، وأنْبَتَ الربيع بفنائي بَقْلَه، ولبست من الإقبال أشرف خلعة، ووردتُ من القبول أغْزَرَ شِرْعه، انتجعتُ مِنْ رياض الرجاء أرجى نجعة.
(١) في نهاية الأرب: لجما. (٢) نهاية الارب: ٨/ ٤٣. (٣) ديوان القاضي: ٤٩٧. (٤) نهاية الأرب ٨/ ٤٣. (٥) في الأصل: إلا أنس. (٦) نهاية الأرب: ٨/ ٤٤. (٧) في الأصل: لثم، والتصويب عن نهاية الارب.