للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدار، وبلاد أولاد عبد المؤمن فلو أن لها ماء سيف لأطفأ ما فيها من النار، إلى أن تعلوا كلمة الله العباسية الدنيا، وتعود الكنائس مساجد، والمذابح المستعبدة معابد، والصليب المرفوع خطبًا طريحًا في المواقد، والناقوس الصَّهَل أخرس اللهجة في المشاهد، هذا كله يجري بمشيئة الله في السيرة الناصرية، فتحلّى بها السير ويجلي بها الغير، ولا يكلف الخادم منها مالًا ولا مددًا، ولا يتخلّف عن نصرة ولي الله، إذ كاد أعداء الله يكونون عليه لِبَدًا، ولا يقول إنه ينقص ما في الديوان، بل يزيده ولا يستفيده بل يُفيده، وإن استعظم هذا المأمول، واستقصر دون هذا المبذول، فالذي وقع أعظم من الذي يتوقع، والذي طلع أكثر من الذي يتطلّع، والذي رأى أمس أكثر من الذي يسمع، وقد علم الله سبحانه أنه لا يريد دنيا، بل يريدها لدنيا يتزيدها ولكن ليقوى بها على تقوى يتزودها، فإن أُعِين على النية، وإلا فقد حصل أجرها، وإن نجح جهد الإرادة في الدنيا، وإلا فقد سر في الآخرة سرها.

ومنه قوله:

كل ما يرد على عبد المجلس، - لا زالت المسار على جانبه واردة، والأيام بامتداد عمرِهِ واعدة - من أنفاسه العطرة وكتبه البهجة النظرة، ولآرائه التي تُمْطِرُ من صَدَرتْ إليه صوب الصواب، تحول لمن صدرت عنه ثوب الثواب، وتشهد له بالفضل الذي ليس له جاحد، وتذكرت بيت أبي عبادة (١): [من الطويل]

ولم أر أمثال الرِّجالِ تَفَاوتُوا … إلى الفضل حتَّى عُدَّ أَلْفُ بواحد

ثم سلك عبده غير هذا الجدد، ولا يقف عند هذا العدد، وينشد قول الآخر: [من الطويل]

وَمَا الناس إلا قدحة أنتَ زَنْدُها … وقطرةُ غَيث أنتَ مُنشي سحابها

فلا عدمت دول الاسلام، وصدور الايام منه البقية الصالحة، والحسنة الراجحة، والسيف الذي يبلى الأيام فهي غمده، وينظم الساعات محاسن فهي عقده، وإن تأخرت خدم عبدِهِ عن مجلسه، وأمسك عن ان يقابل بِدُجاه نور قبسه، فقد عَلِمَ أدام الله نعمته أن الطريق ليس بقاصد والعدو ليس بواحد، وأن الكتب لها أقوام سوء في الطرقات، يقصدونها ويرصدونها، وأن فلجات الشام قد حال دونها، إلا أن الامور بمشيئة الله، قد سَفَرَ وجْهُ، صلاحها، والليلة قد دَنَتْ من صباحها، والله تعالى يتم ما تَعِدُ به المخايل المتوسّمة، ويحرر الاسلام وأهله عواقب هذه المخايل المنجمة.


(١) ديوان البحتري ١/ ٦٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>