للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بقيعة لا مُتَعلَّل فيه للضماء، ومعلوم أنهم إذا احتلبوا تلك الجهة عادوا عود طائر نقاق إلى عشه، واسترجعوا خاتم ملك فربما رجع الأمر جاريا على نفسه، وما أولى ولاة المناصب، وكفاة المراتب، وحَمَلَة الأمانات، وخَدَم سدّة السادات، إلى أن يفيقوا لهذه الغمرة حق الإفاقة، ويلحظوا طليعة هذه العواقب، ولا يهملوها إلى أن تجيء في الساقة، فهذا في مصالح الدولة الجزئية.

فأما المصالح الكلية، فإن عواقبها منهم عظيمة، وبوائقها بأيديهم وأيدي قديمهم قديمة، فشد ما أخذوه بالأمس برًا بلئيم، وبُرءًا بسقيم، وهرب من لا حيلة فيه فاستبيحت منه حُرمة وحريم، فكم عين ازعجوا عنها إنسانها، وكم يد بانوا منها بنانها، ومنهم أولاد ابن زين الدين على كوجك (١)، التابع للخادم الآن، فإنهم كشفوا منهم وجوهًا مصونة، وهتكوا منهم عورات أمينة، وحكموا فيهم نظرات ظنينة، وطافوا بهم البلاد نهارًا، ولم يخافوا الله غضابًا، ولم يرجوا له وقارًا، وكذلك وجدوا آباءهم على أمّة، فاقتدوا بآثارهم، وعلى إيقاد نار حِقْدٍ يستجمعون بهم في نارهم.

فأما الجبايات التي يأخذونها من الرعايا ظلمًا، وتضمين الشريعة لمن لا يُمضي الله له على لسانه ولا يده حكمًا، واستباحة ملك الأوقاف والأيتام، والفرقة في الحكم بين الخاص والعام، فكل ذلك مما لا يسع خليفة الله اقرارهم على حيفه، ولا يعذره الله سبحانه على ترك مجاهدتهم بكتابه إلى عبده الذي جاهدهم بسيفه، ولا خفاء أنهم غابوا عن الجهاد للكفار، وحالوا بين الفرض وبين أُولي القوة عليه والاقتدار، فلا يقنعون بأنهم لا يجاهدون إلى أن يمنعوا من يجاهد عنهم، وبأنهم لا يساعدون المسلمين إلى أن يساعدوا عليهم عدوهم الكافر، فقد تولّوا الشيطان تليدًا وطريفًا، ووطئوا الاسلام وأهله وطئًا عنيفًا، فإذا جاء وَعْدُ الآخرة جاء الله بهم في زمرة الشياطين لفيفًا، فإن لم يرجع إلى الخادم فليرجع إلى قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٢) والقوم فما أبقوا للصلح موضعًا، ولا تركوا في رجعه مطمعًا، ولا تخلفوا عن سوء أبلغوه ناظرًا ومسمعًا، فالمسلم القريب استزلّوا يمينه والمسلم البعيد استخفوا سكينه والكافر استنصروا سيفه، والحشيشي (٣)


(١) زين الدين علي كوجك، صاحب اربل، وهو تركماني، وكجك فارسية معناها الصغير. ملك اربل وبعض النواحي، توفي سنة ٥٦٣ هـ (وفيات الأعيان ٤/ ١١٤).
(٢) سورة النساء: ٧٦.
(٣) الحشيشيون، أو الحشاشون لقب اطلق على فرقة من الاسماعيلية، عرفوا باغتيال خصومهم بالسكاكين، وأخبارهم كثيرة في كتب التاريخ.

<<  <  ج: ص:  >  >>