للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكتبه وأصماه بسهام انتقامه وأَصْمَتَهُ، ولا أخلى الدنيا من وجوده، كما لم يُخل أهلها من جوده، ولا عطّل سماء المجد من صعودِهِ، كما لم يُعطّل أرضها من سعوده، فقام له قائمًا على قَدَمهِ، وسجد في الطرس مماثلًا (١) سجود قلمه، واسترعى الله العهد على أنه تعالى قد رعى ما أودعه في ذِمَّةِ كرمه، وصارت له نجران علاقة خير صرف إليه وَجْهه فكأنها قِبْلَة، ودعا بني الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها، فكأنما يدعوهم إلى ملة، والله يوزعه شكر هذا الافتقاد على البعاد، ولا يُخْليه من هذا الرأي الجميل الذي هو عقد الاعتقاد (٢).

ومنه قوله (٣):

وَرَدَ كتاب، ووقفتُ منه على ما لا يجد الشكر عنه محيدًا، وأنَسْتُ به القلب الذي كان وحيدًا، وعَدَدْتُ يوم وصوله السعيد عيدًا، ووردتُ منه بئرًا معطلة، وعَلَلْتُ قصرًا مشيدا، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وتلك الغاية ليست في وسعي. ولا تعلم نفس إلا ما طَرَقَ سَمْعَها، وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعي، وهذه الأوابد الأباعد ماطالها ذراعي، ولا استقل بها ذرعي.

ومنه قوله (٤):

المملوك يقبل التراب الذي يومًا يستفز بحوافر سَيْلِهِ، ويومًا يستقر بحوافر خيله، فلا زال في يوم السلم (٥) جوده سحابًا صائبا، وفي يوم الحرب شهابًا ثاقبًا، ويُنهي أنه وَرَدَتْ عليه المكاتبة التي استيقظت بها آماله من وَسَنِها، وأفادته معنى من الجنّة، فإنها (٦) أذْهَبَتْ ما بالنفس من حَزَنِها، وتلقّى المملوك قُبْلَتها بالسجود والتقبيل، وتحلّى بعقود سطورها، فهيهات بعد هذا شكوى التعطيل، واكتحل من داء السهد بإثمدها، وأدار على الأيام كأس مرقدها، واسمعته نَغَمَ النعم التي هي أعجب إلى النفس من نغمات معبدها (٧)، وأطالت الوقوف عليها بركاب طرفه فما وقوف وطَلْعَةُ مولانا يطالع عبدَهُ وكل ربوع كان فيها ربوعها فؤاد سقاه لا يعود عليلَهُ وعين رأته لا تفيض دموعها


(١) في نهاية الأرب: ممثلًا.
(٢) في نهاية الأرب: ملجأ الاستناد، وعقد الاعتقاد.
(٣) من جواب في نهاية الأرب: ٨/ ٣٩.
(٤) نهاية الأرب ٨/ ٤٠.
(٥) في الأصل: السيل: والتصويب عن نهاية الأرب.
(٦) في الأصل: أنه.
(٧) يريد به معبد بن وهب إمام أهل المدينة في الغناء. مات بدمشق عند الوليد بن يزيد الأموي (الأغاني ١/ ٣٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>