بالله لا ترحموا قلبي وإنْ بَلَغَتْ … به الهموم فهذا ما جنى بيده
ولولا جاؤوه أن أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرياح، وزيادة طيف يخلعها الصباح، لا ستطار فؤاده كمدًا، ولم يجد ليوم موعده (١) غدا، ولكنه يتعلّل بميعاد لقياه، ويدافع ما أعله بلعله وعساه (٢): [من الطويل]
غنى في يد الأحلام لا استفيده … ودَيْنٌ على الأيام لا أتقاضاه
ومن غرائب هذه الفرقة، وعوارض هذه الشقة أن مولانا (٣) قد بَخِل بكتابه. وهو الذي يداوي به أخوه غليل اكتئابه، ويستعدي به على طارق الهم إذ لج في انتيابه (٤): [من المنسرح]
كمثل يعقوب ضَلَّ يوسفُهُ … فاعتاضَ عَنْه بشم أثوابه
وهب أن فلانًا عاقه عن الكتب عائق، واختدع ناظره كمن هو في ناضر عيش رائق، فما الذي عرض لمولاي حتى صار جوهر ودّه عرضا، وجعل قلبي لسهام إعراضه غرضًا. [من البسيط]
بي مِنْهُ ما لو بدا بالشمس ما طلَعَتْ … من الكآبة أو بالبرق ما وَمَضَا (٥)
وما عهدته - أدام الله سعادته - إلا وقد استراحت عواذله، وعُرِّى به أفراس الصبا ورواحله. إلا أن يكون قد عاد إلى ذلك اللجج، ومرض قلبه وما على المريض من حرج، وأي (٦) ما كان ففي فؤادي إليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسي أسيرة غُلَّةٍ لا أطيقها بل أطيعها: [من الطويل]
وأني لمشتاق إليك وعاتب … عليك ولكن عتبة لا أُذيعها
الأخ النظام - أدام الله انتظام السعد ببقائه، وأعداني على الوجد بلقائه -- مخصوص بالتحية الأريحية (٧)، ووالهفًا على تلك السجية السخية، وردت منها البابلي مُعتقًا (٨): [من الطويل]
خلائق إما ماءُ مُزْنٍ بشهدِهِ … أغادي بها أو ماء كرم مُصَفّقا
ومنه قوله:
(١) في نهاية الأرب (مسرّته أمدا).
(٢) ديوان القاضي ٥١٦.
(٣) في نهاية الارب: مولاي.
(٤) ديوان القاضي ص ٤٨٣.
(٥) البيت لابي العلاء المعري: سقط الزند/ ٦٥٤.
(٦) في الأصل: والخاء وهو تحريف.
(٧) في نهاية الارب: بالتحية إثر التحية.
(٨) بعدها في نهاية الارب: وظلت من أسر الهموم بلقائها معتقا.