اخلاف الخلاف، والله له عن آل الفواطم فاطم، فنهض لآل رسول الله كل بعيد وقريب، ونصر لواء حمده حتى الصليب، وقوبل عدوّه بعدو وحسم داء ومستغيث عجيب، وحينئذ اندفع شيركوه ميممًا صعيدًا طيبًا، وكيف لا يتيمم من عدم الماء قاصدًا للقبلة، ولن يدار إليها إلا من فارق الدماء.
ومنه قوله:
ووقف المملوك على الأبيات النونية التي فتنته فتونا، وزخرت بحرًا فصارت منه قافية النون نونًا، وأشرقت عليه أبياتها أقمارًا، صار القمر لحسدها عرجونا.
ومنه قوله:
وحين وقف عليها، وَقَفَ لها، وحين فتحها أرتج أبواب الهموم وأقفلها وتأملها، ونظر من غرائب الحسنات ما تم بها وما تم لها، فإذا فصل كنعيم أهل الجنّة، كلما نفذ جُدّد، وكنفس أهل الحياة تلذ كلما ردّد، وسيدنا كان لسانه يده في جماح السماح، وكان لسانه في إيراد قرائح الاقتراح كل عذب قراح.
كتب إلى بعضهم (١): [من الطويل]
أأحبابنا هل تسمعون على النوى … تحيّة عانٍ أو شكيّة عاتب
ولو حَمَلَتْ رِيحُ الشَّمالِ إليكم … كلاما طلبنا مثله في الجنائب
أصدر العبدُ هذه الخدمة، وعنده شوق يغور بهِ ويُنجد [ويستغيث](٢) من ناره بماء الدمع فيُجيب ويُنْجِد، ويتعلّل بالنسيم فيُغرى ناره بالإحراق، ويرفع النواظر إلى السلوان فيعيدها الوجد في قبضة الإطراق؛ أسفًا على زمن تصرّم، ولم يبق إلا وجدًا تضرّم وقلبًا من يد البين المُشت تظلم:[من الوافر]
ليالي نحنُ في غَفَلات عَيْشٍ … كأَنَّ الدّهر عنا في وثاق
وما (٣) تنفس خادِمُهُ نَفَسًا إلا وَصَلَهُ بذكره، ولا أجرى كلامًا إلا قيده بشكره، ولا سار بقَفْرٍ إلا شبهه برحيب صدره، ولا أَطَلَّ على جَبَلٍ إلا احتقره بعلي قَدْرِهِ، ولا مر بروضة إلا خالها تفتحت أزهارها عن كريم خُلقه ونسيم عطره.
ولا أوقد المصطلون نارًا إلا ظنهم اقتبسوها من حجره، ولا نزل على نهر إلا كاثر دمعه ببحره (٤): [من الطويل]
(١) نهاية الأرب ٨/ ١٨ وديوان القاضي ٤٨٢. (٢) (يستغيث) ليست في الأصل، وهي في النهاية. (٣) في النهاية: فلا. (٤) الأبيات في ديوان القاضي ٤٨٨.