للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من العمى، وما نار إبراهيم بأعظم من نورِهِ، ولا سروره صلى الله عليه حين نجا بأعظم في يوم وصوله من سروره، فحيا الله هذه اليد الكريمة التي تنهل بالأنواء، وتحرك سوابغ النعماء، وتعطي أفضل عطاء، يسرّها في القيمة، وتحوز به أفضل أنواع الكرامة، فأما شوقه لعبده، فالمولى ابقاه الله قد أوتى فصاحة لسان، وسَحَبَ ذيل العي على سحبان، ولو أن للخادم لسان مؤات، وقلب (١) يقال له هيهات، لقال ما عنده، واذكر عهده ووده، وباح بأشواقه، وأذاع الرمز عند اعتناقه. وأما تفضله بكدا، فالخادم لا يقوم بشكره، ولا يبطله حق قدره، وقد أحال مكافأة المجلس على مليء قادر، ومسرّة خاطره عليه يوم تبلى السرائر، والله تعالى يصله برزق سني يملأ إناه، ويوضح له هداه، ولا يخلي المجلس من جميل عوائده، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده، إن شاء الله تعالى.

ومنه قوله (٢):

وفي الحال أطافت المقاتلة من جميع أقطاره، ولبوا تلبية الحجيج، وكل من جمرة سهمه كرامي جماره، وعبرت الآجال المسماة سهامًا على قناطر القسي المحنيّة، وقَدَحَتْ زنودها البيض شرار جَمْر المنيّة، فصارت الأبرجة بسلاحها، أو كأنها بكثرة ريش السهام طائرة بجناحها، أو كأنها صدور أظهرت حسك الضغائن، أو كأنها لازدحام السهام بها كنائن إلى أن سرى داء النقوب إلى المقاتل، ودب سكرها بين المفاصل ورتب الجدران قائمة، والبلاء سائر في أعقابها، متجلدة والنار تحت بنائها غرارة بألحاظها، والقبح حشو، نقابها، فلما كان وقت الظهر ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣)، ووقعت القلعة ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، وتحصنوا من نار القضب بنيران الحطب، وقطعوا بين المسلمين وبينهم بطوفان نار، كانت القلعة سفينة إلا أنها لا سفينة نجاة، بل سفينة عطب، ومن الفرنج الملاعين من وردها عاجلًا، ﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٥)، وأقحم نفسه فيها، فأحاطت بعنقه مقاودها، وبات الناس مطيفين بالحصن، والنيران به مطيفة وعليه مشتملة وعذبات ألسنها على وجْهِهِ منسدلة، ومن خَلْفِهِ مسبلة، ولفحاتها جهنمية ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٦)، والبلاء ينادي طبرية بلسان مصابها: إيّاكِ أعني واسمعي أنت


(١) كذا في الأصل، والصواب: قلبًا.
(٢) الروضتين ٣/ ٤٢ وفيه أن القاضي كتبه بعد فتح حصن بيت الاحزان بفلسطين.
(٣) سورة التوبة: ٤٨.
(٤) سورة الأعراف: الآية ١١٨.
(٥) سورة مريم: الآية ٧١.
(٦) سورة البقرة: الآية ٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>