وكتبت هذه الخدمة ليلًاوالخاطر كالناظر، كلاهما مشتمل بالظلام شعارًا ودثارًا، والخطرات كالأنجم في ليلة الأسى، إن رامت الطريق فحياري، أو رامت السير فأسارى.
ومنه قوله:
إلى أن طوى الليل ملاءته، ومدّ عليهم الليل كلاءته، فإنه دعي مأمنه، وبينهم من مناسبة صحائفهم لسواده؛ ولأن الليل يُدعى كافرًا فقد خبأهم في فؤاده، وخاف العدو تصريف العنان، فكأنما في يده منه صلّ لادغ، ورأى السيف وماء الموت يترقرق منه، فروى دلاء من إناء فارغ.
ومنه قوله:
فأما هذه الدنيا، فأنها دار الأكدار، ومثار العثار، لا تسمح بمودة صاحب إلا لتعرف قدر فراقه، ولا تفسح في حبل لقاء خليل، إلا لتجعله عدةً لخناقه.
ومنه قوله:
فَقُلْتُ لصاحبي نجواي: خُذا في عرض محاسنِهِ عليّ، لعلي آخذ منها فقالا: وما الفائدة إذا عجزت في الصلة عن ان تعيد عيلة الفاظه العائدة؟ فقلت: ليعلم أن كل خير عندي مِنْ عِنْدِه، وأسأله الصفح عن تقصير بلاغتي عن بلوغ حده. وأسره بتقصيري عن مداه، وإن كان هذا عهدي بوده، فقالا: أرسل نفسك على سجيتها، وتعرض لنفحات صديقك، فما يبخل عليك بيلنجوجيتها، فقلت: نعم على تفيهقكما في النسبة، إلى اليلنجوج (١) وعلى كون حروف هجاها أطول من عوج (٢).
ومنه قوله (٣):
الخادم يخدم وينهي وصول كتاب كريم، تفجرت فيه ينابيع البلاغة، وتبرّعت بالحكم أيدي البراعة، وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب، وهطل منه لأوليائه كل صوب، ولأعدائه كل شهاب واصب، وتجلّى فما الغيد الكواكب، وما العقود في الترائب، وتفرق عنه جيش الهم، فانظر ما تفعل الكتب في الكتائب، وما وَرَدَ إلا والقلب إلى موردِهِ شديد الظمأ، وما كحل به إلا ناظره الذي عشى عن الهدى، وقَرُبَ
(١) اليلنجوج: عود البخار. (٢) عوج بن عنق: شخصية أسطورية يضرب بطولها المثل. (٣) نهاية الأرب ٨/ ١٧.