للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنه قوله (١)، وكتب ابن الزكي:

كان كتابي (٢) تقدم إلى المجلس السامي أدام الله نفاذ أمره وعلو قدره. وراحة سره، ونعمة يُسره، وأجراه على أفضل ما عوّده، وأسْعَدَ جَدَّه وأصْعَدَهُ، وأحضره أمثال العام المسقبل، وأشهده، ولا زال يلبس الأيام ويخلعها، ويستقبل الأهلة ويودعها، وهو محروس في دنياه ودينه، مستلئم من نوب الدهر بدرع يقينه (٣)، وأعماله مقبولة، ودعواته على ظهر الغمام محمولة، والدنيا ترعاه وهو يأبى رَعْيها (٤)، والآخرة تُدَّخَرُ له وهو يسعى لها سَعْيَها من أيدي عدّةٍ من المسافرين، ولثقتي بهم ما قيدت أسماءهم، ويضيق صدري بتأخير كتب المجلس ما حفظت ماجاء منه (٥)، وماكانا إلا دعونا الله سبحانه دعوة الأوّلين ان يباعد بين أسفارنا، وأردنا أن يقطع بيننا وبين أخبارنا، فأجيبت الدعوة ولا أقول لسابق الشقوة، ولكن للاحق الحظوة، فإن مكابدة الأشواق إلى الأبرار، تَسُوقُ إلى الجنة ولا تسوق إلى النار، وأقسم أنني بالاجتماع به في تلك الدار، أبْهَجُ منّي بالاجتماع به لو أتيح في هذه الدار، فعليه وعلي من العمل ما يجمع هنالك سلك الشَّمْل، ويصل جديد الحبل، فَثَمَّ لا يُلقى العصا إلا من ألقى ههنا (٦) العصيان، وهنالك لا يقرُّ العين إلا لمن سهرت منه ههنا العينان، ولا وجه يجمع اسمي مع اسمه في هذه الوصيّة، مع علمي بسوء تقصيري، وخوفي من سوء مصيري، ولكن ليزيد سيّدنا في وظائفه وعوارفه فكلُّ فعله تفضّل، من فَضْلِهِ ما يخلصني بقربه (٧)، فانني استحق شافعته لشُفْعَةِ جوار قلبي لقلبه (٨)، والخواطر في هذا الوقت منقبضة، والشواغل لها معترضة، وأيام العمر في غير ما يفرض من الدنيا للآخرة منقرضة ومتجدّد نوبة بيروت قد غَمَّت كل قلب، وهاجت للمسلين أشواقًا إلى الملك الناصر، وذكرًا إنما ينفعه الله به من كل ذاكر، وأخذ الناس في الترحم على أوَّلِ هذا البيت والدعاء للحاضر والآخر. وليس إن شاء الله بآخر (٩).


(١) نهاية الارب ٨/ ١٤.
(٢) كان كتابي: ليس في نهاية الارب.
(٣) بعدها في نهاية الارب: كاشف لليل الخطب بنور جبينه، وليوم الجدب بفيض يمينه.
(٤) في نهاية الارب: وهي تأتي برغمها.
(٥) في نهاية الارب: ما حفظتها.
(٦) في نهاية الأرب: هنا.
(٧) في نهاية الأرب: اخلاصه.
(٨) بعده في نهاية الارب: وهذا معنى ما بعث على شغل الكتاب به مع علمي باستقرار نفسه النفيسة، إلا أنه - ابقاه الله - قد أبعد عهدي من كتبه بما يقع التفاوض فيه، والمراجعة عنه.
(٩) بعده في نهاية الأرب: فما ادخر المولى لهذه الحرب مجهودا، ولا قللت عسكرًا مجرورا ولا مالا ممدودا: [من الطويل]

<<  <  ج: ص:  >  >>