المجلس فليس من حظه، ولكن من حظ السائل والمحروم، ولا يسمح المجلس بكتاب من كتبه على يد من الأيدي التي لا تؤدّي، فلا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدي.
ومنه قوله:
وقَدْ تَأمَّلْتُ ما تَفَنَّنْتَ في وصفه حين دُعيتَ إلى قتل الأسير، وان القدرة المحيطة بِعُنُقِهِ، والأسر الساد لسبل القتل وطرقه، أبى لها أنْ تَشْغَل به بالها، ونص لها أن لا يَنْبَجِسَ بدمه نصالُها، فإن قَتْل الأسير ويداه مغلولة، وحبال اذرعه محبولة، قدرة ما زالت النفوس على استقباحها مجبولة، وما كان يؤمنها أن تشخص الأبصار نحوها، وكما نظر في الطروس كانها ينتظر في الطروس محوها، فيكون غيظ الحسام من قلمها حاملا له على أن لا يحد مضاءً، ولا يمضى حدًا، وباعثًا له على أن ينثني عن عنق الكافر مرتدًا، فيورثنا معشر الكتاب عارًا يعدى عرّه، وينهى العلم ما يسوؤه والسيف مايسره، وينفتح باب القيل والقال، ويحتاج إلى العذر الصدي في نَبْوَةِ السيف الصقيل.
ومنه قوله:
وكان ينتحي لقافية الثاء المثلثة التي خَضَعَتْ لأمره، وسخرت لفكرِهِ، وخَفَضَتْ جناحها، وتركت جماحها، ورقت رقة الراء، وأعطته القياد الذي منعت من الكتاب والشعراء، وهذا ملك البلاغة السليماني، وهذا القلم سيّد النصر اليماني، وهذا المعجز، وأنا أوّل المؤمنين، وهو السحر البياني، وإن لم يكن السحر المبين، وما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا ينقاد في الكلم إلا أن يكون قلمه العنان، فقد صارت عروسًا ونقطها نقوط العرائس، ووجبت جنوبها، فلا جرم انه أمثل قوله:
﴿فَكُلُوا مِنْهَا، وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ (١)، وقد صرنا نبدل السين بغير لثغة، ونقدر على استعمالها بلاغة، وما كنا نقدر على استعمالها إلا بُلْغَة.
ومنه قوله:
وذكر الله ذلك العهد بخير ما ذكرت به العهود، ولَعَنَ الله الفرنج المخندقين، وقَتَلَ أصحاب الأخدود، فقد قطعو طرقات المسار، وأطالوا عمر البيكار (٢). وسبكت نار مقاساتهم الدينار، فعجل الله اعلام الكافر لمن عقبى الدار.
(١) سورة الحج: ٢٨. (٢) البيكار: الحرب، المعركة، أو الحمله، وهي فارسية (معجم دوزي ١/ ٥٠٦).