للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حتى توارى دينار الشمس بالحجاب.

ومنه قوله إلى العماد الاصفهاني (١):

كانت كتب المجلس - لا غير الله ما به من نعمه، ولا قطع منه مواد فضله وكرمه، ولا عدمت الدنيا خَطَّ قَلَمِهِ وخطو قدمه، وأعاذنا الله بِنعَمِهِ وجودِهِ من شقوة عدمه - تأخرت وشق عليَّ تأخرها، وتغيَّرتْ عليَّ عوائدها. والله يعيدها (٢) مما يغيرها، ثم جاءت كما جاء بيت ابن حجاج (٣): [من مجزوء الرمل]

غاب ساعاتٍ وَوَافا … ني على ما كنتُ أَعْهَد (٤)

وأجبته ببيت الرضي (٥): [من المديد]

ومتى يدنو النوى بهم … يجدوا قلبي كما عهدوا

كتابة لا ينبغي ملكها إلا لخاطرِهِ السليماني، وفيضًا لا يصدر (٦) إلا عن نوح قلمه الطوفاني، أوْجَبَتْ على كل بليغ أن يتلو: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٧) وبالجملة فالواجب على كلّ عاقل أن لا يتعاطى ما لم يعطه، وأن يدخل باب مجلس سيدنا ويقول حِطّة، فأما مأفاض فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة، فقد كدتُ أَسكَر بها بما استخرجته من المحاسن، التي لو أن الزمان الأصم يسمع لأَسْمَعَتْهُ، ولو أن الحظ الأشم يخضع لأخضعَتْهُ، وبالجملة فإنه لا يسبّ (٨) زمن أبقى من سيدنا نعمه البقية التي مهما وجدت، فالخير كله موجود، والمجد بحفيظته مشهود، وكما تيَسَّرتْ راحة جسمه فينبغي أن يقتدي به قلبه في راحته من همه.

وأعراض الدنيا متاع المتاعب، وقد رفع الله قدره، وإلا فهذه الدنيا وهدَةٌ إليها مصاب المصائب، والحال التي هو الآن عليها عاكف من علم يدْرُسُهُ، وأدب يقبسه، وحريم عقائل يَذُبُّ عنه ويحرسه. هي خير الأحوال، فالواجب الشكر لواهبها، والمسرّة بالإفضاء إلى عواقبها، وما ينقص بشيءٍ من المقسوم، وإن زاد عند


(١) نهاية الارب ٨/ ١٣.
(٢) في الأصل: يعيد.
(٣) ابن حجاج: هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحجاج، الشاعر العباسي، وأكثر شعره في اللهو والسخف والمجون (انظر: يتيمة الدهر ٣/ ٣٠).
(٤) في نهاية الأرب:
غاب ما غاب ووافا ني على ماكنت أعهد
(٥) ديوان الشريف الرضي ١/ ٣٨٨.
(٦) في نهاية الارب: لا يسند بدل (يصدر).
(٧) سورة البقرة: ٧٨.
(٨) في نهاية الأرب: يُشنًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>