بقيت أذكر الإغباب فإن سيّدنا يقابله بمثلِهِ، ولا العتاب فإن سيدنا يُساجله بما فيض من سَجْلِهِ، ولا ألقي عليه من قولي قولا ثقيلا، ولا أقابل به من قوله قولًا جليًا جليلًا، فقد شبَّ عمرو عن الطوق (١)، وشَرُف البراقُ عن السوق، وذلك لعمري ما برح محتنكًا غير أجنبي، والطوق للصبي، وذلك البراقُ حمى لا يقدم إلا للنبي، ومع هذا فلا يُقلّص عنّي هذه الوظيفة، وأعتقدها مِنْ قُرَب الصحيفة، فإنّك تسكن بها قلبًا أنت ساكنه، وتسرّ بها وجهًا أنت على النوى معاينه.
ومنه قوله:
ياسيدنا العماد، صبحك الله بأيمن من فعلك، ولا أعرف فعلا منه أيمن واحسن من وجهك، ولا أعرف وجهًا منه أحسن وأحسن وجه في الورى وجه منعم، كيف أنت في هذه الرحمة التي تركتنا رحمة؟ وكيف الخركاه (٢) وكيف الخيمة؟ أما نحن ففي خيمة من عنصرنا وهو الطين، وفي خركاه كانا من ضائقتها في عقد التسعين، قد حاصرتنا الأمطار، وقلّ احتفالها بالخنادق المحتفرة، وفعلت بنا ونحن المسلمون ما فعلنا بِمَنْ حاصرناه من الكفرة، فليت لنا ولو كمفحص القطاة في السعة والحفوف، وليت لنا جبلًا يعصمنا من أنواع السيول إذا جاءت مهزوزة السيوف، وقد حال الجريض دون القريض، وشغل توقع اللئيم عن توقيع القلم.
ومنه قوله:
وقد كانت ليلة الخميس بدمشق ليلة مباركة. ما غسل ظلامها إلا السيول لولا الصباح، ولا ابتسم صباحها إلا وقد كادت تبتسم عن نبتها الجبال والبطاح.
ومنه قوله:
وقد جار كرم يده على أموالها، وعلم الخلائق الاشتطاط في آمالها، فما يأخذ أحدهم البدرة إلا بكسر الخاتم منها، ولا يقبل الخلعة إلا وقد عصبت المنشور بعصبها، ولا تركت الجواد إلا وهو بالبر مثقل، وما بالحلي في وجهه ورجليه أغر محجل، ولا يقنع بالاقطاع إلا وباطنه قلعة، وظاهره رستاق، ولا بالمنشور إلا وحاصله ثمرات واسمه أوراق. فقد فرّ الناس من الصنائع إلا إلى اصطناعِهِ، ومِنَ المعايش إلا إلى انتجاعِهِ، وهان عليهم أن يكتبوا في قرطاس ويجاوبوا بأكياس، ووقفوا على التراب فلحقوا بالسحاب وَغَمَرَ الجود كل دينار،
(١) مثل جذيمة بن الأبرش في عمرو بن عدي (جمهرة الأمثال ١/ ٥٤٧). (٢) الخركاه كلمة تركية بمعنى الخيمة.