للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مباسم تبسم، ووقف عليه وقوف المحبّ على الربع يكلمه ولا يتكلم، ويبطل جفنه وكأن جمادى بدمعه وكأن على خدّه المحرّم، والله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة، فأنها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها، ولا غرو أن يبلغ عمره كعمرها، على أنها طالما أقامت الحد الدنيا حتى بلغت في حدّها الثمانين، وأدّبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السلم من قلمها تأديب المجانين، وما حَمَلَتْ العصا بعد السيف إلا وقد وضعت الحرب أوزارها، ولا استقلتبأنه موسى إلا بتفجر الخواطر وتضرب أحجارها، وماهي إلا رمح، وكفى بيدها لها سنانًا. وماهي إلا جواد يحتث السنين خلفها، فتكون أناملها لها عنانا.

ومنه قوله (١):

ورد كتاب الحضرة السامية، أحْسَنَ الله لها المعونة، ويسر لها العواقب المأمونة، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة الملعونة، يخبر بخروج الخارج من قلعة كذا، وما صرح به من الخوف الذي ملأ الصدور، والاستحثاث في مسير العسكر المنصور، وكل قضية وردت على القلوب. فَفَزِعَتْ فيها إلى ربّها، فَرَجَتْ فُرجة، وأذكى لها اليقين سُرُجَة، ولم يُشرك معه غيره مستعانًا، ولم تدع معه من خلقه إنسانًا، فما الضيقة (٢) وإن كانت منذرة إلا مبشرة، والخطة وإن كانت وَعْرةً إلا ميسرة، لا جرم أن هذا الكتاب أعقبه وصول خبر نهضة فلان نصر الله نهضاته. وأدّى عنه مفترضاته واستنهض العساكر وقوبل العدو الكافر. فَنَفَس ذلك الخناق، وتماسكت الآماق. وما أَحْسَبُ أنَّ الأمر يتمادى مع القوم، بل أقول: لا كرْبَ على الاسلام بعد اليوم، يتوافى بمشيئة الله ولاة الأطراف ويَزُول من نفس العدو وسمعه ما استشعره من المسلمين من الخلاف، ويجتمعون إن شاء الله على عدوّهم، ويُذهب الله بأهل دينه ما كان من فساد أعدائه في أَرْضِهِ وعلوّهم، وقد شممنا رائحة طلب الهدنة (٣) بطلب الرسول، وبخبر هلاك ملك اللمان الذي هو بسيف الله مقتول، والموت سيف الله على الرقاب مسلول.

ومنها (٤):

فأما ما أشار إليه من القلاع التي شحنها، والحصون التي حَصَّنها، والأسلحة


(١) نهاية الأرب ٨/ ٨.
(٢) في الأصل قضية، والتصويب عن نهاية الادب والضيقة بكسر الضاد: مثل الضيق.
(٣) في نهاية الأرب: رائحة الهدنة.
(٤) نهاية الأرب ٨/ ٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>