للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلم تزل المعيّنة تمدّه بالرأي الثاقب، وتكشف له مستور العواقب، والله المحمود على ما منح مولاي من صحة النظر الذي يتساوى فيه حاضر من الأمر وغائب، ومستقبل من الخطب وذاهب، وحسن الألمعية التي عناها الأول بقوله: [من الكامل]

ويُصيب مرتجلًا بأوّل فكرة … أعراض كل مخمر ومبيت

وأما الفلانيان، وما تجدّد بينهما في هذا الوقت من الصحبة، وانتسج من المودة، فللمشابهة قضية دائمة الوجوب، وللمشاكلة حوادث تملك حبات القلوب، وكلُّ نَفْسٍ بعادتها صبَّة، وإلى ما يلائم طباعها منصبة، النملة تفرح بالبرة، أكثر من فرحها بالدرة، والضَّيُّون يرى القذارية خيرًا من اللطيمة الدارية، ومولاي يخالفهما بصحة ميثاقه، وكرم أخلاقه، ودماثة طبعه، وصلابة نبعه، وطيب أصله وفرعه، فلا غرو أن يجهدا في نقض دعوته ويرغبا عن الاختلاط بحضرته: [من السريع]

لا تنظري صَدِّي ولا مِقَتي … ما أنتِ مِنْ حَرْبي ولا سلمي

وأما سؤاله عن قائل البيتين المنظومين وهما: [من مجزوء الكامل]

ويقودني لوصاله خرسُ الهُدى قَلقُ الوشاح

ينآد كالغصن النضيـ رِ … بمِثْلِهِ عَبَث الرياح

فقد فتح لي هذا السؤال بابًا عرفت أن مولاي قد أعطى فلانًا مقوده. ومَدَّ إلى مغازلته يَدَهُ، ولزم مضجَعَهُ، وتوفّر على الخلوات معه فقلت: خبر يحتمل الصدق والمين، وقف حائرًا بين هذين، حتى عرفت اشتهار ذلك، وأن الأخ غَضِبَ منذ أيام قليلة، وبات في القرافة (١) بأسوأ ليلةٍ، فلم أدر كيف أعتب مولاي وألوم، ولا كيف أقْعدُ في التأنيب له وأقوم، وهو الحياء الذي إذا انثلم فقد انهدم، وإذا تصدّع فقد ذهب أجمع، والمعيشة التي في المروءة حفظ موادها، وصلاح فسادها، ومع ذلك فالبيتان المذكوران لعبد الصمد [بن] المعدل في كلمة يقول فيها: [من مجزوء الكامل]

هَتَفَتْ بهِ نُذُرُ المشيـ … ـب فغض من غرب الجماح

هيهات مِلْتُ إلى النهى … أجبت داعية الفلاح

وجعلتُ مِنْ وِرْدِ التقى … كأس اغتباقي واصطباحي

وقد كان مولاي باستحسان هذه الأبيات، أليق، وهي بصفته أعبق، وكأني به إذا بلغ هذا الفصل من الرقعة أنشد قول الخطيم بن محمد (٢): [من الطويل]


(١) القرافة: موضع بالفسطاط من مصر (معجم البلدان - القرافة).
(٢) كذا في الأصل، وهو الخطيم المحرزي العكي، والبيتان له في أشعار اللصوص ١/ ١٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>