للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

له ضَرْبٌ، بِحِسٌّ ذَكِيّ كَأَنَّهُ زُجاجَةٌ فيها نار، وَحَدْسٌ زَكِيّ لا تَطْمِسُ له نار، وبينه وبين ابن الحميد مكاتبات ينشر منها الحلل، وينظر منها ما تحوي الكلل وقفت عليها، وصرفت النظر فلم أجده ينصرف إلا إليها، وكانت عندي بالخط الفاضلي، وإنما أَذْهَبَتْهُ من يدي الثُّقل، وأطلقته من حاصلي العُقل، وكانت بينهما من لطائف الشتام ما كان لسالف النقائض كالختام بألفاظ عِذاب كأنها نُطَفُ الغوادي، وطعم السلامة من يد الأعادي، وكان لا يحسن منها إلا عُقَيْرَ مُدامة يحسوها، وعاقد راحة على شعاع راحه يكسوها، وكانا عجبًا، ونيّرين ظهرًا، والشمس والقمر قد حُجِبا.

ومن نثره قوله:

أما ما افتتحت به من ذكر استحكام الثقة، فقد عجبت من تعاطيه وصف ذلك، مع العلم بوضوح دليله، والمعرفة بكثيره وقليله، وأنّى يتجاوز تلك الصفة وهو ينبوع الوفاء ومَنْبِتُهُ، وَمُمَكِّن أُسِّهِ ومُثَبِّتُهُ: [من الرجز]

تَسْكُنْ أَحْشَائِي إِلى حِفَاظِكُمْ … سكونَ أجفاني إلى رُقَادِها

وإما تخلفه عن الزيارة للعذر الذي نصّه، فقد رأيت ليلتي بغيبته، فكأنّها قُرنت بيوم الحساب الأطول، أو علقت نجومها السيارة بأمراس كتان إلى صم جندل (١). ومنه قوله:

فارقني مولاي، وخلفني حلف السهاد، مفترشًا شوك القتاد، أتذكر اخلاقه تذكر الفقير غناه، وابن ذريح لبناه، وامتد عليّ رواق الليلة المذكورة، حتى كأن نجومها شُدَّت بمناكب أبان، وقبرها يسير في فلكه كيوان: [من البسيط]

يَئِسْتُ مِنْ صُبْحِها حَتَّى الْتَفَتُّ إِلى … وَجْهِ الظَّلَامِ، أُعَزِّيهِ بفقدان

ولم تزل هذه حالي في الوحشة، إلى حين وصول الرقعة الأثيرية، فانها رقعت هلهلًا من الجدل مُخَلقًا، وتركت ذاويًا من المسرّة قصرًا مونقًا، ووقفت عليها فقلت أجرى الطرس سطورا أم زهرًا منثورا؟ أو نُظمت البراعة الفاظًا أدبية؟ أم سلوكًا ذهبية؟ وأنا أجيب عنها ولكن كما يجيب قسًا باقل، وتفاخر السحب المثقلة جداول، لما علمت أنه قد عتب عليَّ من وجه صحيح، لقيته مخفوض الجناح، وقابلته بالاستغفار والاستصفاح، إذ أنا بحمد الله تعالى لين الكنف تحت ظلال المودة، شديد في هواجر الشدة: [من الطويل]

جليد على عَتْتِ الخُطُوبِ إذا التوَتْ … وليس على عَتْبِ الأخلاءِ بالجَلْدِ

وأما الفصل المختص بالحضرة السامية، ووقوع الأمر بحسب ما كان مولاي ذكره،


(١) من قول امرئ القيس: (ديوانه ص ١٩)
كأن الثريا علقت في مصامها … بأمراس كتان إلى صم جندل

<<  <  ج: ص:  >  >>