ولا أشك أن ذاك التواتر عنك صدرت أوائله، والخبر إذا تواتر بِهِ النقلُ قَبِلَهُ العقل، ولا بد أن نجتمع في مجلس بعض الرؤساء فنتناظر بمشهد الخاصة والعامة، فإنك متى لم تَفْعَل ذلك لم آمن عليك تلامذتي، أو تقرّ بعجزك وقصورك عن بلوغ أمدي ومنال يدي، فتعجبْتُ كلَّ العجب مما سمعتُ، وأجبتُ فقلتُ: أما قولك قد تواتر الخبر بأنك قهرت، وأن ذلك عن جهتي صدر، ومن لساني سمع، فبالله ما أتمدَّح بقهرك، ولا أتَبجَّحُ بقسرك، وإن لنفسك عندك لشأنًا إن ظننتني أقف هذا الموقف، أنا إن شاء الله أبعد من ذلك مرتقى همةٍ ومصعد نفس، أسأل الله سترًا يمتد ووجهًا لا يَسْوَدّ، فأما التواتر من الناس، والتظاهر على أني قهرتك، فلو قدرت على الناس لخطتُ أفواههم، ولقبضتُ شفاههم، فما الحيلة، وهل إلى ذلك سبيل فأتوسل أم ذريعة فأتوصل؟ ثم هذا التواتر ثمرة ذلك التناظر، مع ذلك التساتر، فإن كان ساءَكَ، فأحرى أن يسوءك عند مجتمع الناس ومُحْتَفَلِ أُولي الفضل، ولأن يترك المر مختلفًا فيه خير لك من أن يُتفق عليه، فإن أحْبَبْتَ أن تطير هذا الواقع، وتهيج هذا الساكن، فرأيك موفقًا، فأما هذا الوعيد، فقد عرضته على جوانحي وجوارحي كلها، فلم تنشد إلا قول القائل:[من الوافر]
وعيد تخرج الآرام منه … وتكره نية الغنم الذئاب (١)
فكم يتكوكب تلامذتك ويتعسكرون، ويتفحش أصحابك وتبا جعفرون (٢)، ولست أراك إلا بين ميمين (٣)، أحدهما يروح إلى انثى ويغدو إلى طفل، والآخر يجيب دعوة المضطر إذا دعاه بمسلّفات، فإن كان الله قد قضى أنْ أُقْتَل بأخس السلاح، فلا مَفَرَّ من القدر المتاح، رزقنا الله عقلًا به نعيش، ونعوذ بالله من رأي بنا يطيش، وقلنا من بعد إن رسالتك هذه وردت موردًا لم نحتسبه، ووصلت موقفًا لم نرتقبه، فلذلك خرج الجواب عن البصل ثوما، وعن الخل لوما، فلما ورد الجواب عليه وسع من الغيظ فوق ملئه، وحمل من الحقد فوق عبئه، وقال: قد بلغ السيل الزبى، وَعَلَتِ الوهاد الرّبى في أمرك، وسترى يومك، وتعرف قومك، ثم مضت على ذلك أيام، ونحن منتظرون لفاضل ينشط لهذا الفصل، وينظر بيننا بالعدل، فاتفقت الآراء على أن يُعقد هذا المجلس في دار الشيخ السيد أبي القاسم الوزير.
(١) في الرسائل ص ٥٥: تخرج … ونكره نية. (٢) كذا في الأصل، وفي الرسائل: ويتجيش أصحابك ويتجمعون. (٣) في الرسائل: ثنثتين، ويريد بميمين: المعلم والمتسول كما سيأتي.