أُحامِقُه حتى يقال سجيّة … ولو كان ذا عقل لَكُنْتُ أُعاقِلُهُ
ودفع القوال، فبدأ بأبيات، ولَحَنَ بأصوات، وجعل النعاس يثني الرؤوس، ويمنع الجلوس، فقمنا عن الليل وهو يجر بعاع (١) الذقن إلى ما وطئ من مضجع، ومهد من مهجع، ولم يكن النوم مَلأ الجفون، ولا شَغَلَ العيون حتى أقْبَلَ وفد الصباح. وَحَيْعَلَ المؤذن بالفلاح، وندب النهوض إلى المفروض، وأجبنا، فلما قضينا الفرض، فارقنا الأرض، فأوى إلى أم مثواه، وأويتُ إلى الحجرة، وظنّي ان هذا الفاضل يأكل يده نَدَمًا، ويبكي على ماجرى دمعًا ودمًا، فإنه إذا سمع بحديث همذان قال: الهاء هم، والميم موت، والذال ذلّ، والالف أنّة، والنون ندامة، وأنه إذا قام هاله منا طيف، وإذا انتبه راعَهُ منّا سيف، وأخَذَ الناس يترامزون بما جرى، ويتغامزون، وراب هذا الفاضل غمزاتهم، مثلما راب المريض تغامز العوّاد، فجعل يحلف للناس بالعتق وتحرير الرق، والمكتوب في الرَّق، أنه أخَذَ قصب السبق، وأنه ينطق عن الحق، والناس أكياس، لا يقنعهم عن المدعي يمين دون شاهدين، وسعوا بيننا بالصلح، يُحكمون قواعده ومعاقده، وعرفنا له فضل السنّ، فقصدناه معتذرين إليه، فأومأ إيماءةً مهيضة، واهتز اهتزازةً مغيظة. وأشار إشارةً مريضة، بكفٌ سَحَبَها على الهواء، ويَدٍ بَسَطَها في الجوّ بَسْطًا، وعلمنا إن للمقمور ان يستخف ويَسْتَهِين، وللقامر أن يحتمل ويلين، فقلنا: ان بعد الكدر صفوا، كما أن عقب المطر صحوًا، فهل لك في خُلق في العشرة نستأنفها، وطرق في الخلطة نسلكها، فإن ثمرة الخلاف ماقد بلوتها. فقال: ظهر الوفاق أوطأ كما ذكرت، والجميل أجمل كما علمت وسنشترك في هذا العنان، وعَرَضَ علينا الإقامة عنده سحابة ذلك اليوم، فاعتللنا بالصوم فلم يقبل العذر، وألح، فقلت: أنت وذاك، فطعمنا عنده، وأخذنا ديدان مرده (٢)، وخرجنا والنية على الجميل موفورة، وتبعة الود معمورة، وصرنا لانتعلّل إلا بمدحه ولا ننتقل إلا بذكرِهِ، ولا نَعْتَدُّ إلا بوده، لا بل ملأنا البلد شكرًا والأسماع نشرًا، وبتنا نحن من الحال في أعذبها شرعة، ومن الثقة في أطيبها جرعة، ومن الظنون في أفلَجِها قرعه، ومن المودة في أعمرها بقعة، وأوسعها رقعة، حتى طرأ علينا رسولان متحملان لمقالته، مؤديان لرسالته، ذاكران بأن أبا بكر يقول: قد تواترت الأخبار، وتظاهرت الآثار في أنك قَهَرْتَ وأني قُهِرْت،
(١) كذا في الأصل، وفي الرسائل: وهو بحره مائل الذقن. (٢) كذا في الأصل، وفي الرسائل: دندان مزده. قال الشارح: المزد: هو البرد، والدندان كالدندن بكسر الأول والثالث. هينمة الكلام.