للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مهلًا أبا بكر فزندك أضْيَقُ … وأخرس فإن أخاك حي يُرْزَق

دعني أعرك إذا سكت سلامةً … فالقولُ يُنجِد في ذويك ويعرق

ولفاتك فتكات سوءٍ فيكُمُ … فدع الستور وراءها لا تخرق

وانظر لأشنع ما أقول وأدّعي … أله إلى أعراضكم متسلق

يا أحمقًا وكفاك ذلك خزيةً … جربت نار معرتي هل تحرق؟

فلما أصابه حرّ الكلام، ومسه لفح هذا النظام قطع علينا فقال: يا أحمقًا لا يجوز، فإنّ أحمق لا ينصرف، فقلنا يا هذا لا نقطع، فإن شعرك إن لم يكن عيبة عيب، فليس بظرف ظرف، ولو شئنا لقطعنا عليك، ولوجَدَ الطاعن سبيلًا إليك، وأما أحمق، فلا يزال يصفعك وتصفعه، حتى ينصرف وتنصرف معه، وعرفناه أن للشاعر أن يرد ما لا ينصرف إلى الصرف. كما أن له رأيه في القصر والحذف، وأنشدناه حاضر الوقت من اشعار العرب فقال: يجوز للعرب مالا يجوز لك، فلم ندر كيف نجيب عن هذا الموقف وهذه المواقعة، وكيف يسلم من هذه المناصفة؟ لكنا قلنا له: أخبرنا عن بيتك الأول: َأمَدَحْتَ أم قَدَحْتَ؟ وزكيت أم جرحت؟ ففيها [شيئان] متفاوتان ومعنيان متباينان منها أنك بدأت فخاطبت بياسيدي، والثانية أنك عطفت فقلت تتفلق، وهما لا يركضان في حلبة، ولا يحطان في خطة، ثم قلت له: خُذْ وزنًا من الشعر، حتى أسكت عليك، فتستوفي من القول حظك، واسكت علينا حتى نستوفي حظنا، ثم أني احفظ عليك أنفاسك واوافقك عليها، واحفظ علي انفاسي ووافقني عليها، فإن عجزت عن اعتلاقها حفظتها لك، فسلني عنها بعد ذلك، وأخذنا بيت أبي الطيب المتنبي (١): [من المنسرح]

أهلًا بدار سباك أغيدُها … مِنْ بعدما بان عنكَ خُردها

فقلت (٢): [من المنسرح]

يانعمةً لا تزال تجحدها … ومنّةً لا تزال تكندها

فأخذ بمخنق البيت قبل تمامِهِ، ومضيق الشعر قبل نظامه، فقال: [ما] معنى تكندها؟، فقلت: يا هذا، كَنَدَ النعمة كفرها، فرفع يديه وراسه، وقال: معاذ الله أن يكون كند، بمعنى جحد، وإنما الكنود القليل الخير، فأقبلتِ الجماعة عليه يوسعونه


(١) دوان هص ٨.
(٢) البيت لم يرد في ديوانه وهو في الرسائل ص ٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>