للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

برمًا وفريًا، ويتلون عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)(١) فقلت: أليس الشرط أملك؟، والعهد بيننا ان تسكت ونسكت حتى نتم وتتم، ثم نبحث ونفحص؟ فنبذ الأدب وراء ظهره وصار إلى السخف يكيلنا بصاعه ومده، وينفض فيه حمة جهده، وأفضى إلى السفه يغرف علينا غرفًا، ويستقي من جرفه جرفًا، فقلت له: يا هذا. إن الأدب غير سوء الأدب، وللمناظرة حظرنا لا للمنافرة، فإن نفَضْتَ عن هذا السخف يدك، وثنيت عن هذا السفه قصدك، وإلا تركتُ مكالمتك، ولو كان في باب الاستخفاف شيء أبلغ من ترك الانكار لبلغته منك، فأخَذَ يمضي على غلوائه، ويمعن في هرائه وهذائه فاستندتُ إلى المسند، ووضعتُ اليد على اليد، وقلت: أستغفر الله من مكالمتك ونَفضْتُها قائمةً معه، وسكت حتى عرف الناس، وأَيْقَنَ الجلاس اني أملك من نفسي ما لا يملكه، وأسلك من طريق الحكم ما لا يسلكه، ثم عطفت عليه فقلت: يا أبا بكر، إن الحاضرين قد أعجبوا من حلمي بأضعاف ما أعجبوا من علمي، وتعجبوا من عقلي أكثر مما تعجبوا من فضلي، وبقي الآن أن يعلموا أن هذا السكوت ليس عن عي، وإن تكلّفي للسفه أشَدُّ استمرارًا من طبعك، وغربي في السخف أمتن عودًا من نبعك، وسنقرع باب السخف معك، ونفترع من ظهر السَّفَه مفترعك، فتكلّم الآن، فقال: أنا قد كسبت بهذا [العقل] (٢) دية أهل همذان مع قلته فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته، فقلت: أما قولك دية أهل همذان فما أولاني بأن لا أجيب عنه، لكن هذا الذي به تتمدح وتتبجح وتتشرف وتتصلّف من انك شحذت فأخذت، وسألت فحصلت وكديت فاقتنيت، فهذا عندنا صفة ذم عافاك الله، ولأن يقال للرجل: يا فاعل يا صانع، أحبّ من أن يقال: يا شحاذ يا مكدي، وقد صدقت، أنت في هذه الحلبة أسبق، و [في] (٣) هذه الحرفة أعرق، ولعمرك إنك اشحذ، وأنت في الكدية أنفذ، وأنا قريب العهد بهذه الصنعة، حديث الورد لهذه الشرعة، مرمل اليد في هذه الرقعة، فأما مالك فعندنا يهودي يماثلك في مذهبه، ويزنك بذهبه، وهو مع ذلك لا يطرقني إلا بعين الرهبة، ولا يمد إلي إلا يد الرغبة، ولو كان الغنى حظًا كريمًا لأخطأه مثل هذا العقل، ولو كان المال غُنْمًا لما أدرك بهذا السعي. ولكن عرفني هل كنت فيما سَلَفَ من زمانِك ونَبَتَ من أسنانك، إلا هاربا بذمائك، مضرّجًا بدمائك، مرتهنًا بقولك، بين وَجْنَةٍ موشومة، وجوارح مهشومة، ودار مهدومة، وخدود ملطومة؟ ومتى صَفَتْ مشارِعُك، او أخْصَبَتْ، مراتعك، إلا في هذه الأيام القذرة. وستعرف


(١) سورة العاديات: ٦.
(٢) الزيادة عن الرسائل.
(٣) الزيادة عن الرسائل.

<<  <  ج: ص:  >  >>