للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أصغوا إلى الشعر الذي نظَّمتُهُ … كالدرّ رضع في مجرَةِ سِلْكه

فمتى عجزت عن القرين بديهةً … فدمي الحرام له إراقة سفكه

فقال أبو بكر أبياتًا جهدنا به أن يخرجها عن اللحاف (١)، ويبرزها من الغلاف (٢)، فلم يفعل دون أن طواها، وجَعَل يَفْرُكُها ويعركُها، فقلت: يا هذا إن البيت لقائله كالولد لناجِلِهِ، فما لك تعق ابنك وتُضيمه؟ ابرزها للعيون، وخلصها من الظنون، فكره أبو بكر أيده الله أن تكون الهرة أعْقَلَ منه؛ لأنّها تحدث وتغطّي، فلم يستجز (٣) أن يظهر، ثم بسط (٤) جبينه، وبسط يمينه للبديهة نفسًا دون أن كتب فقال: انت وذاك، واقترح علينا أن نقول على وزن قول أبي الطيب المتنبي حيث يقول (٥): [من الكامل]

أرق على أرق ومثلي يأرقُ … وجوى يزيد وعبرة تترقرق

وابتدر أبو بكر أيده الله إلى الإجازة. ولم يزل إلى الغايات سباقًا فقال:

وإذا ابتدهت بديهة ياسيدي … فأراك عند بديهتي تتقلق

وإذا قرضتُ الشعر في ميدانِهِ … لا شكَ أَنَّكَ يا أخي تتشقق

إني إذا قلت البديهة قلتها … عجلًا وطبعك عند طبعي يرفق

ما لي أراك ولست مثلي عندها … متموهًا بالترهات تمخرق

إني أجيز على البديهة مثلما … تريانه وإذا نطقت أصدق

لو كنتَ مِنْ صخر أصمّ لها له … (مني) (٦) البديهة واغتدى يتفلق

أو كنت ليثًا في البديهة قادرًا … لوثبت يا مسكين دوني تبرق (٧)

وبديهة قد قلتها متنفسًا … فقل الذي قد قُلْتُ ياذا الأخرق

ثم وقف يعتذر ويقول: إن هذا كما يجيء، لا كما يجب، فقلت: قبل الله عذرك لكني أراك بين قوافٍ مكروهة، وقافاتٍ خشنة، كل قاف كحبل قاف، منها، تتقلق، وتتشقق، وتفلق، وتمخرق، وتبرق، وتسرق واحمق، وأخرق إلى أشياء لا أكثر بها العدد فخذ الآن جزاءً عن قرضك واداءً لفرضك، وقلت (٨): [من الكامل]


(١) الرسائل: الغلاف.
(٢) الرسائل: اللحاف.
(٣) الرسائل: يستجرئ.
(٤) الرسائل: مسح.
(٥) دوانه طبعة صادر ص ٢٨.
(٦) الزيادة عن رسائله ص ٤٥.
(٧) في الرسائل: تفرق.
(٨) الأبيات في الرسائل ص ٤٦ والأول والأخير في ديوانه ومعجم الأدباء.

<<  <  ج: ص:  >  >>