لي، أو يرجّح ما نضجه بنار الرؤية، على ما أمليته على لسان النفس فله يَدُ السبق. أو يكون غيرها، فأعفى عن هذه المعارضة، وتتنحى لنا عن أرض المماثلة، ويخلى لنا الطريق لمن يبني المنار به، فقال أبو بكر: ما الذي يؤمننا من أن تكون نظمت من قبل ما تريد إنشاده الآن؟ فقلت: اقترح لكل بيت قافية ولا أسوقه إلا إليها، ولا أقف به إلا عليها، ومثال ذلك، أن تقول: حشر فأقول بيتا آخره حشر، ثم عشر فانظم بيتًا قافيته عشر. ثم هلم جرا، إلى حيث يتضح الحق، وينتضح الزرق، وتستقرّ الحجة وتطرد، وتستقل الشبهة وتنطرد فيعرف الحالي من العاطل، ويُفرّق بين الحق والباطل، فأبى أبو بكر أن يشاركنا هذا العنان، ومال إلى السيد أبي الحسين يسأله بيتًا ليجيز، فتبعنا رأيه فيما رآه، ولم نرض إلا رضاه، ولم نعدل عن هواه ومبتغاه، وأعْمَلَ كل منا لسانه وفَمَهُ. وأخَذَ دواتَهُ وقَلَمَه، وأجزنا البيت الذي قاله: وكل ما أجزناه إجازة جارى القَلَمُ فيها الطبع، وبارى اللسان بها السمع وسارق الخاطر بها الناظر، وسابق الجنان فيها البنان إلى أن قلنا (١): [من الكامل]
هذا الأديب على تعسف فتكِهِ … وبُروكه عند القريض ببركه
مُتَسَرِّع في كل ما يعتاده … من نظمِهِ مُتَباطئ عن تركه
والشعر أبعد مذهبًا ومصاعدًا … مِنْ أن يكون مُطيعُهُ في فِكة (٢)
والنظم بحر والخواطر معْبَرُ … فانظر إلى بحر القريض وفلكه
فمتى توانى في القريضِ مُقَصِّرٌ … عَرَّضْتُ أُذْنَ الامتحان لعَرْكِهِ
هذا الشريف على تقدّم بيتِهِ … في المكرمات ورِفْعَةٍ في سمكه
قد رام منى أن أقارن مثله … وأنا القرين السوء إن لم أنكه (٣)
وإذا نظرت وجدت ماقد قلتُهُ … بردَ اليقين على حرارة شكه (٤)
وَدَبَغْتَ منه أديمه فتركته … نهج الأديم بِدَبْعَهِ وَبَدَلْكِهِ
(١) الأبيات في رسائل البديع ٤٣، والثالث والرابع والخامس في الديوان ص ١١٧، ومعجم الأدباء ١/ ٢٣٩. (٢) الفك: الفتح وفصل الشيء. (٣) بعده في الرسائل: وإذا نظمتُ قَصَمْتُ ظهر مُناظري وحَطَمْتُ جارحة القرين بدكه (٤) لم يرد هذا البيت في الرسائل. (٥) لم يرد في الرسائل وإنما ورد البيت الذي ذكرته آنفًا.