للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطرف منه ومنهم، في أحمى من است النمر (١)، وأعطس من أنف النغر، فظننا أنه يريد أن يلقى كتيبةً، أو يهزم دوسرًا، أو يغلّ الأنكدين، أو يرد الوافدين ثم رأبنار جالًا جوفًا، قد خلقوا صوفا، فأمنا المعرّة، ولم نخش المضرة، وقمنا له وإليه، وجلس يحرق أُرَمه، وتمثل ببيت لا يقتضيه الحال، من أنا في الحبالة نستبق، فتركناه على غلوائه، حتى إذا نفض ما في راسه، وفرغ جعبة وسواسه، عطفنا عليه، فقلنا: عافاك الله، دعوناك وغَرَضُنا غير المهارشة، واستزرناك وقصدنا غير المناوشة، فلتهدأ ضلوعك، وليفرخ روعك يا مار سرجس لا نريد قتالا، وما اجتمعنا إلا لخير، فلتسكن سورتك، ولتلن فورتك، ولا ترقص لغير طرب، ولا تحم لغير سبب، وإنما دعوناك لتملأ المجلس فرائد، وتذكر أبياتًا شوارد، وامثالا فوارد، ونباحثك فنسعد بما عندك، وتسائلنا فتُسَرّ بما عندنا، ويقف كل منا موقفه من صاحبه، وقديمًا كنت أسمع بحديثك، فيعجبني الالتقاء بك، والاجتماع معك، والآن إذ سهل الله ذلك، فَهَلُمَّ إلى الأدب نُنْفِقُ يومنا عليه، وإلى الجدل نتجاذب طرفيه، فاسمع خيرًا واسمعنا مثله، ونبدأ بالفنّ الذي ملكت به زمانك، وفت فيه أقرانك، وملكت منه عنانك، وأخَذْتَ منه مكانك، وطار به اسمك بعد وقوعه، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه، وأفحمت به الرجال، حتى أذعَنَ العالم وقلّد الجاهل. وقالوا قول الصوفية: يادهشًا (٢) كله، فجارنا بفرسك، وطاولنا (٣) بنفسك، فقال: وما هو؟ قلت: الحفظ إن شئت والنظم إن أردت والنثر ان اخترت، والبديهة إن نَشِطت، فهذه أبوابك التي أنت فيها ابن دعواك تملأ منها فاك، فأحجم عن الحفظ رأسًا، ولم يجل فيه قدحًا، وقال: أبادهك، فقلت: أنت وذاك، فمال إلى السيد أبي الحسين فسأله بيتًا ليُجيز، فقلت: يا هذا أنا أكفيك ثم تناولت جزءًا فيه أشعاره، وقلت لمن حضر: هذا شعر ابي بكر الذي كد به طبعه، وأسهر له جفنه، وأجال فيه فكره، وانفق فيه عمره، واستنزف فيه يومه، ودونه صحيفة مآثره، وجعله ترجمان محاسنه وعبر به عن باطنه، وأخذ مكانه به وهو ثلاثون بيتًا، وسأقرن كل بيت بوفقه، وأنظم كل معنى إلى لفقه، بحيث أصيب أغراضه، ولا أعيد الفاظه، وشريطتي ألا أقطع النفس، فإن تهيأ لواحد أو أمكن لنا قدر ممّن قد حضر، يريد النظر ان يميز قوله من قولي، ويحكم على البيت أنَّه لَهُ أَوْ


(١) المثل في مجمع الأمثال ١/ ٥٣.
(٢) يا دهشا: أي حيرة، وإنما أضاف هذا القول للصوفية؛ لأن منهم من بقي بدرجة الحيرة ولم يتعدها (هامش ص ٤١ من رسائله).
(٣) في الرسائل: وجد لنا.

<<  <  ج: ص:  >  >>