التغالي مذهبًا؟، وهلا ذَادَ الطير عن شَجَر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؟، فقد علم الله أن شوقي إليه قد كد الفؤاد برحًا على بَرَح، ونكأه قرحًا على قرح، ولكنّها مِرَّةٌ مرة ونفس حُرّة، لم تُعد إلا بالإعظام ولم تُلْقَ إلا باجلال، وإذا استعفاني من معاتبتي، وأعفى نفسه من كُلَفِ الفضل يَتَجشَّمُها، فليس إلا غُصَصُ الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرّعُها ولم أُغرِهِ من نفسي. وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طِرْتُ إلا إليه. ولا وَقَعْتُ إلا عليه. [من الطويل]
وذاك لأنَّ الفضل عندك باهِرٌ … وليس لأنَّ العيش عندك بارد
فلما وَرَدَتْ عليه الرقعةُ، حَشَر تلامذته وخدمه، وزمّ عن الجواب قلمه، وجشم للإيجاب قَدَمَه، وطلع مع الفجر علينا طلوعه، ونظمنا حاشيتا دار الأمام ابي الطيب أدام الله عزه فقلت: الآن حين تشرق الحشمة وتنوّر في العشرة وتغوّر، قصدناه شاكرين لما أتاه وانتظرنا عادة برّه، وتوقعنا مادة فضله فكان خلبا شمناه وآلًا وردناه، وصرفنا الأمر في تأخرنا عنه إلى ما قاله عبد الله بن المعتز (٢): [من الرجز]
إنا على البعاد والتفرق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وأنشدناه قول ابن عصرنا:[من الوافر]
أحبك في البتول وفي أبيها … ولكني أحبك من بعيد
وبقينا نلتقي خيالًا، ونقنع بالذكر وصالًا، حتى جَعَلَتْ عواصفه تهب، وعقاربه تدبّ، وهو لا يرضى بالتعرض حتى يصرّح، ولا يقنع بالنفاق حتى يعلن، وشكا إلى بعض إخواننا أني خاطبته مخاطبة مجحفة، ونزلته منزلة متحيفة، فقال: إني أوثر العربدة، وأسلف الموجدة، ويرميني في ذلك بدائه وينسل، فكتبنا إليه (٣): [من المتقارب]