كأن أقلامنا فيما تحمله … إلى القراطيس عن أسرارنا رُسُلُ
ومنه قوله (١) لرجل في تزويج أمّه:
واتصل بي ما كان من أمر الواجبة الحق عليك، المنسوبة بعد نسبك إليها إليك، واختيارها من الصيانة التي تحفظ جلالتها، وتحسن إيالتها، وتنمي مالها، وتشدّ أحوالها، ويعين طباعها على كرمها، وتقيم مهابتها على خدمها، ما لولا ان النفس تناكره بغير طريق شرعي ولا دليل قطعي، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتداد بما جدده الله من صيانتها أحرى، وقد آثر الصلة بها من تقوى بصلته، قوة اليد بالساعد وتعتده عما بحكم المجاز والعم صنو الوالد وتزوجت أم زيد بن علي (٢) فلم يمنعه عما جاء به الشرع حميّة النخوة، وسُئل: لم تزوجت أمك بعد أبيك فقال: لتبشر بآخر مثلي من الإخوة، وفي هذا لها - أصانها الله - مزيد للعفة، وموئل للكلفة، والزواج يُسْتَحبُّ للرجال والنساء سواء، في طلب تجديده شهوات الأمهات والآباء، وقد جدع الإسلام أنْفَ الغيرة، وجعل فيما اختاره الخيرة، ولا يسخطك - أعزك الله - ما رضيه موجب الشرع وحبّبَ ادب الديانة، وحكم به حاكم العقل في الصيانة، فمباح الله أحق ان يتبع، وهوى النفوس في الحمية أولى أن يمتنع، فإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره، تسخط اختيار القدرة.
ومنه قوله (٣): في فتوح: أصدرت هذا الكتاب بمواقع نعم الله الشاملة، وآثار نعمه المتواصلة، وهو أنا لما رأينا السيوف متوثبة في الأيدي للضرب، وحاذرنا هجوم الشتاء على مضيق الدرب جعلنا آخر الأمر أوّلَهُ، وركبنا من الصعب أهوله، وأرسلناها تتبارى في الركض، وتتلاعب بالأرض، وتتواثب كالظلمان، وتتهافت كالعقبان أسرع من النجوم السائرة، وأنْفَذ من السهام العائرة، إلى أن نزلنا بطن هنزيط (٤) فكنا أسبق إلى عيون أهلها من النظر، وأدخل في نفوسهم من تسقط الحذر، ولم يمض صدر اليوم إلا وقد حصل جميع من فيه من المقاتلة والحامية، والسبي
(١) بعضها في صبح الاعشى ٩/ ٧٩ والببغاء ١١٧. (٢) لعله أراد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ وامه أم ولد اهداها المختار لابيه، ولم يذكر أحد من المؤرخين انها تزوجت بعده (انظر في ترجمة زيد ونسبه: مقاتل الطالبين ١٢٧). (٣) مما أخل به مجموع الاستاذ هلال ناجي. (٤) هنزيط من الثغور الرومية، ذكرها أبو فراس والمتنبي في شعرهما «انظر معجم البلدان ٥/ ٤١٨».