للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتمارت الفطن في ترتيبه، واصطلحت الحكماء على تركيبه. فأوضَحَتْ باليقين تقسميه، وأبانت بالكتابة قلمه ورسومه، إلى أن شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته وحصر متفرق الأنوار في مجرى عضادتِهِ، واحتوى على قطبي الشمال والجنوب، واطلع باللطف على خفيات الغيوب، متعك الله باستخدامه، واسعدك بمواقع أحكامه، وأغناك بالتوفيق عمّا يستمدّه منه، وبالخيرة عن الاختيارات الصادرة عنه، وقد أنست وحشته من فهمك بسكنه، ورددته من ذكائك إلى وطنه، فإن رايت أن تديله من الافهام الصدئة بصفاء بصيرتك، وتقرّه في أمتع قرار ومن كنف فطنتك. فعلت إن شاء الله تعالى.

ومنه قوله (١) يستهدي دواةً من الآبنوس بآلاتها:

وَلَعَلَّ المولى ينعم بدواة تكون للكتابة عتادًا، وللخواطر زنادًا، جدولية العطفين، هلالية الطرفين، مسكية الجلدة كافورية الحلية، فسيحة الأحشاء مهفهفة الأعضاء، فهي من لون جلدتها، ووشائع حليتها: [من الخفيف]

كشباب مجاور لمشيب … أو ظلام موضح بنهار

أضمرت آلة النهى فهي كالقلـ … ـب وما تحتويه كالأفكار

يقارنها قضبان من ذخائر السحاب، وودائع التراب، كل معدل الكعوب، قويم الانبوب. باسق الفروع، روي الينبوع، نقيّ الجسد، نازح العقد، مختلف الشيات، متفق الصفات، مما اعتنت الطبيعة بتربيته، وتبارت الديم في تغذيته، كالجوهر المصون واللؤلؤ المكنون ملتحف الاجساد بمثل خوافي أجنحة الجراد، أولى باليد من البنان، وآنس بخفي السرّ من اللسان، مقترن ذلك بمدية لا تفتقر إلى جلب، ذات غرارٍ ماضٍ وذباب قاض ومنسر نادٍ، وحديد سمائي وجوهر هوائي ونصاب زنجي معه مقط يرتفع عليه تقديرها وينحط، ذو جسد بجراحها مكلوم، وجلد بآثارها موسوم. [من البسيط]

في كل عضو له من وقعها أَلَمُ … وليس ينجع فيه ذلك الألم

كأنه وامتهان القط يرغمُهُ … انفُ الحسود إذا أرغمنه النعم

حتى إذا جئت غاربه وأطلقت مضاربه، انصاع من أهون جفير، وكرع في أعذب غدر، لاترده غير الأفهام ولا يمتح بغير ارشيه الاقلام تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشأ سحب البلاغة من قراره، منر، مظلم مشمس معتم. [من الخفيف]


(١) وهو مما أخل به مجموع الاستاذ هلال ناجي.

<<  <  ج: ص:  >  >>