كثرة تنويعه عن أبي نواس، علم لا يخفى، وقلم لا يحفى، غرس آداب خضل النبات، مخضر الجنّات، رأى المجد هضبة فأناف رأسها، وحلبة فأجرى أفراسها، فطرف بطارفه الناكد، وشرف بمطارفه الوالد، وأحيا شرف مخزوم، ومذ فرع عمر عمر وفات خالد.
توفي الببغاء سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة.
ومن كلامه يصف حماره (١):
مخططةً يستطيل بياضها، فيما يستطيل من أعضائها، ويستدير فيما يستدير، وهذه الأتان ما خرجَتْ عن العادات، وخالفت الموصوفات ناطقة في كمال الصنعة بأفصح لسان، مشتملة على غرائب الإحسان، أنْفَسُ مُدَّخر، وأغرب موشى، وأفخر مركوب، وأطرف محبوب، وأعجز موجود، وأبهر محدود، كأنما وسمها الكمال بنهايته، أو لحظها الفلك بعنايته، فصاغها من ليله ونهاره، وحلاها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع آثاره، ووشى روضها بيانع أزهاره، وَرَمقها بنواظر سعوده، وجعلها بالكمال أحد حدوده، جامعة شتيتها بالقسمة والترتيب بين زمني الشبيبة والمشيب، قيد الأبصار وأقد الأفكار، ونهاية الاعتبار، بستان بسرج، وروضة بمرج، منزه عن الحلى عطلها، مزريةٌ بالزهر حُلَلُها، حدّ جنسها، وعالم نفسها، صنعة المنشئ الحكيم، ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٣).
ومن قوله (٤): قرين اسطرلاب أهداه:
أجل الهدايا - ياسيدي أطال الله بقاءك - موضعًا وألطفها من الملاطف بها موقعا ما لاءم الاختيار، ووافق الايثار، وكان العقل أخص بفائدته، والفهم أحظى بيمن عائدته، ولما كنت أيدك الله ممن لا يتوصل المتوصل إليه إلا بما يتفق العادة والحكمة عليه، آثرتك وفَقَكَ الله ببرهان الحكمة، ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها، ومرشد الفكر ومناره وميزان الحسن ومعياره، ونافي الشك ومزيله. وشاهد العالم ودليله، ومصوّر الهندسة وممثلها ومقسم البروج ومعدلها، وموقف النجوم ومثيرها، وجامع الأقاليم ومدبرها، مرآة الحبك وصورة الفلك. وأمين الكواكب، وحد المشارق والمغارب، مما اخترعت العقول تسطيحه. وأتقن الحساب تصحيحه،
(١) مما أخل به كتاب (الببغاء: حياته، ديوانه، رسائله، قصصه) جمع وتحقيق الأستاذ هلال ناجي. (٢) سورة الأنعام: ٢٤. (٣) سورة المؤمنون: ١٤. (٤) مما أخل به كتاب الببغاء.