للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بينهم مقيل فنان حسرة بين عوادها، ويبكي وإنما بدت قطعة من فؤادها، إلى أن عادت بلطيف الحيلة إلى أكناف تلك الجميلة، فذهب بحق صبابتها باطله، واكتفى كل ذي دين وماطله.

وحكي أنَّ أبا الحسين بن الأشكري المصري قال: كنت رجلًا من جلاس الأمير تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه فأرسل إلى بغداد، فابتيعت له جارية فائقة، رائقة الغناء؛ فلما وصلت إليه، دعا جلسائه، قال: وكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغَنَّتْ: [من الكامل]

وبدا لهُ مِنْ بَعْدِ ما اندملَ الهَوَى … بَرْقٌ تأَلَّفَ مَوْهِنًا لمعانه

يبدو كحاشيةِ الرِّداءِ ودُونَهُ … صَعْبُ الدُّرَى مُتَمَنِّعُ أَرْكَاتُهُ

فَمَضَى لينظر كيف لاح فلم يُطِقُ … نظرًا إليهِ وصَدَّهُ أَشْجانُهُ

فالنار ما اشتعلت عليهِ ضُلُوعُهُ … والماءُ ما سَمَحَت بِهِ أَجْفَانُهُ

قال: فطرب الأمير تميم ومن حضر طربًا شديدًا.

قال: ثم غنت: [من البسيط]

أستودع الله في بغدادَ لِي قَمَرًا … بالكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ

وهذا [البيت] لمحمد بن زريق الكاتب. فاشتد طرب تميم، وأفرط جدًا، ثم قال لها: تمني ما شئت فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: والله لا بد أن تتمني علي الوفاء أيها الأمير، فقالت: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني بهذه النوبة في بغداد، فامتقع لونه، وتغير وجهه، وتكدر المجلس، وقام، وقمنا.

قال ابن الأشكري: فلقيني بعض الخدم، وقال لي: ارجع؛ فالأمير يدعوك، فرجعت، فوجدته جالسًا ينتظرني، فسلمت عليه، وقمت بين يديه، فقال: ويحك أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير، فقال: لا بد من الوفاء لها، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها، فقلت: سمعًا وطاعة.

قال: ثم قمت، وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية سوداء له، تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل أدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق؛ فلما وردنا القادسية، أتتني السوداء عنها،

<<  <  ج: ص:  >  >>