للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جمال يغير البدر إن أسفرت، ودلال يغير الغصن إن خطرت، وغنج يعيد سحر بابل إن نظرت، هذا إلى نغم يعلّم الحمائم في الأراك، ويوقع العشاق في الأشراك، ويفعل فعل البابلي، ويغسل حتى قلب الجلي، ويغسل النار في الجوانح، ويشعر طرفها الكاسر بأن الظباء تصيد الجوارح.

قيل: إنه كان يقال: إنها بدعة القيان، وإنها بهذا كانت تدعى، ويحكى عنها لطائف وظرائف، ولها شعر ليس بطائل، ولها أعمال صنيعة وأصوات بديعة، فمنها هذا: [من الطويل]

أَتعرفُ رَسْمًا كاطَّرَادِ المَذَاهِبِ … لِعَمْرَةَ وَحْشا غير موقوفِ راكب

ديار التي كادت ونحنُ على مِنْى … تَحِلُّ بِنَا لولا نجاء الركائِبِ

تبدى لنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمَامَةٍ … بَدَا حاجِبُ مِنْها وضَنَّتْ بحاجِبِ

ولم أرها إلا ثلاثًا على مِنّى … وعهدي بها عَذراء ذاتَ ذوائب

والشعر لقيس بن الخطيم (١) والغناء فيه.

ومن هذه القصيدة:

فلما رأيتُ الحرب حَرْبًا تجدَّدت … لبستُ مع البُرْمَينِ ثوبَ المُحارِبِ

رجال متى تدعوا إلى الموتِ يُرْقِلُوا … إليهِ كإرْقالِ الجِمالِ المَصَاعِبِ

إذا فزعوا مدُّوا إلى الليل صارخًا … كَمَوْجِ الأَتِيُّ المُزْبِدِ المُتَرَاكِبِ

صَبَحْنَاهُمُ الأطام حَوْلَ مُزَاحِم … قوانس أولى بيضها كالكَوَاكِبِ

إذا ما قَرَرْنا كان أسوء قارنًا … صُدُود الخُدُودِ وازورار المَنَاكِبِ

إذا قصرت أسيافنا كانَ وصلنا … إلى نسَبٍ مِنْ جدع غَسَّانَ ثَاقِبِ

صَبَحْنَاهُمُ شَهْباءَ بيرقُ بَيْضُهَا … سن مفاخيل النِّساءِ الهَوَارِبِ

فأبنا إلى أبياتنا ونسائنا … وما مَنْ تَرَكْنا في بغات بآيب

وحكي أن عبد الرحمن عزم على التفسح في بعض الظواهر مدة يقيم بها في مضارب نصبت له على نهر يروق إنحداره، وربيع بقل في وجنة الروض عذاره، وكان الشتاء قد كلح، وساء به مزاج الزمان ثم صلح؛ فلما عزم على الخروج أتين جواريه لوداعه ورداح بينهن قد اغرورقت مقلتها بالمدامع، وقطعت لديها أعناق المطامع، فوقفت وقفة المتغني، ثم اندفقت في صوت صنعته تغني: [من البسيط]


(١) ديوانه ٧٦ - ٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>