للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بحار الحكم، فخاض لججها الغمار، وأذكيت له سرجها فجنى من غصونها المهل له الثمار، وتناهى نظره في المال، فلم يزد بصيرةً في الاعتبار، ولم يرد زيادة للاختبار، إلا أنه كان جريء اللسان، مسيء الإحسان، خرجت به الفلسفة إلى مهامهها العريضة، فضل في فجاجها الفيح، وظل في ذيل انفراجها الفسيح، ودام يخبط في سماء سماواتها، ويخطب ولا يلج خطبه اسماع أهل مداواتها، وأعذب مساع نطقه، ومسالك باطله المموه بحقه، تأدب بأدب الحياة في الوجنات، وذو الإغفاء في المقل السنات بألطف منه موقعًا، وأعطف لأعنة الأذنين إليه معًا، ولكنه لم يجد أذنًا، ولم يلق من يعير بصيرته فطنًا.

قال ابن أبي أصيبعة (١): مولده ومنشؤه ببغداد، وكان حكيمًا فيلسوفًا، متكلمًا فاضلًا، أديبًا بارعًا، شاعرًا مجيدًا، ومن شعره قوله: [من الوافر]

بربك أيها الفَلَكُ المُدارُ … أقصدًا ذا المسير أم اضطرار

مدارك قُلْ لنا في أي شيء … ففي أفهامنا عنك انبهار

وفيكَ نَرَى الفضاء. فهل فضاء … سوى هذا الفضاء بهِ تُدار

وعندك تُرفع الأرواح أم هل … مع الأجسام يُدركها البَوَارُ

وموج ذا المجرة أم فريد … على لُجَجِ الدروع لهُ أُوارُ

وفيك الشمس رافعة شُعاعًا … بأجنحةٍ قَوادِمُها قِصارُ

وطوق في النجوم مِنَ اللآلي … هلالُكَ أَمْ يَدفيها سَوارُ

وشهب ذا الخواطبُ أمْ ذُبالِ … عليها المَرْخُ يُقْدَحُ والعَفَارُ

وترصيع نُجومُكَ أَمْ حَبابٌ … يُؤلفُ بينه اللجج الغزار

تمدُّ رُقُومَها ليلًا وتَطوِي … نهارًا مثل ما طوي الإزار

فكم بصقالِها صَدِى البَرَايا … وما يَصْدا لمضربها غرار

تباري (ثُمَّ) تَخْنِسُ راجعات … وتكنس مثل ما كَنَسَ الصُّوارُ

فبينا الشرقُ يَقْذفها صُعُودًا … تلقاها من الغرب انحدار

على ذا ما مَضَى وعليه يمضي … طِوَالٌ ما وآجال قصار

وأيام تفرقنا مداها … لها أنفاسنا أبدًا شفار

ودهر ينثر الأعمار نثرًا … كما للغُصْنِ بالوَرْدِ انتشار

ودنيًا كُلما وَضَعَتْ جَنينًا … غَذاهُ مِنْ نَوائِبها ظُوارُ


(١) عيون الأنباء ٣٣٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>