لا تَرُعكم سكرةُ المَوتِ فما … هي إلا انتقال مِنْ هُنا (١)
قلت: حدثني شيخنا أبو الثناء الكاتب الحلبي ﵀ عن أشياخه أن الشهاب السهروردي كان لا يقرُّ للملك الظاهر بمعرفة السيمياء وينكره ذلك، وكان الملك الظاهر لا يشك في أنه يعرف ذلك ويحب أن يراه، وكان لا يزال يقول له عن ذلك وهو ينكره ويجحد، فلما كان ذات يوم قال له: بالله يا مولانا أرني شيئًا من السيمياء، فقال له: بسم الله، وكان الملك الظاهر واقفًا على بركة يريد أن يغتسل فيها ثم إن الملك الظاهر نزل فغطس، ثم طلع ومملوكه واقف بيده منشفة، فلما خرج ناوله المنشفة فتنشف، ثم قال: أين أنا، فقال له ذلك المملوك: هنا في دارك وملكك بحلب، فقال: ويلك كم لي غائب عنكم، فقال: قدر ما غطست في الماء، فقال: ويلك أنا لي غائب عنكم سنين وغرقت فما طلعت إلا من ساحل بحر عدن، وتزوجت امرأة هناك من بيت خطاب، وأولدتها أولادًا فقال المملوك: أعيذك يا خوند بالله، وأعيذ عقلك، وكلما قال هذا يغتاظ الملك الظاهر، ويقول: ويلك تغالطني وتدهيني في عقلي، والمملوك يعيد قوله، فضحك السهروردي، ففطن الملك الظاهر، وقال له: هذه عملاتك معي، فقال له السهروردي: لا والله بل هذه عملاتك أنت مع نفسك.
وأجريت ذكره مرةً مع الشيخ العارف جمال الدين الحويزاوي شيخ الشيوخ بالديار المصرية، فقال: كان رجلًا جليل القدر من أفراد العالم وفضلاء الدهر وأعيان
(١) إلى هنا ينتهي النقل من عيون الأنباء ٦٤١ - ٦٤٦.