كأنه يحسّن لكل فكرة نبأه، ويفتق أكمام الأدب فقل ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ (١) سر دقيق فتن الناس، وخَمرٌ يذهب بالبأس لا كالتي تدخل بالالتباس على الحواس، وسحر يستلذه الذوق، وينقطع عنده القياس، لو أنَّ للدهر رِفتَهُ لان قاسيه، أو للجافي ذكر العهد ناسه، أو للأمل ألقى إلى قبضة اليد مراسيه وما أغيره، شهادة، ولا أميره الحسنى إلا امتاز بزيادة، وكانت بضاعته من الطب غير مزجاة، وصناعته تحقق للمتطبب ما يترجاه لفضل تجلبب بشعاره، وجلب زيادة الحكمة إلى أشعاره، وعلو همته إلى علومها، وقراءة مادة كل علم على عليمها، إلى أن جنى ثمر الفنون وجرب كل شيء ولم يقدر على دفع المنون، وكان له بالخدم في صناعة الكتابة ارتزاق وبئست بضاعة أرزاق، إلا أنه لم يُقدر عليه بها قوته، وما كان لمرء لا يفوته، وبقى على تعلاته واختلاف علاته إلى أن أتاه هاذم الأعمار، ووافاه قادم الموت مبسوط الأعذار.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): هو الأستاذ السيد الجليل أبو الفرج علي بن الحسين بن هندو من الأكابر المتميزين في علوم الحكمة، والأمور الطبية، والفنون الأدبية، له الألفاظ الرائقة، والأشعار الفائقة، والتصانيف المشهورة، والفضائل المذكورة، وكان يخدم بالكتابة واشتغل على ابن الخمار، وكان من أفضل المشتغلين عليه. قال الثعالبي في اليتيمة فيه: هو مع ضربه في الآداب والعلوم بالسهام الفائزة، وملكه رق البلاغة والبراعة؛ فرد الدهر في الشعر وواحد أهل الفضل في صيد المعاني الشوارد، ونظم القلائد وترصيع الفرائد، مع تهذيب الألفاظ البليغة، وتقريب الأغراض البعيدة، ويذكر الذين يسمعون ويرون ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣).
وأنشد له قوله (٤): [من الطويل]
يقولون لي ما بالُ عَينِكَ إِذْ رأتْ … مَحاسنَ هذا الظَّبي أدمعها هطل
فقلتُ زَنَتْ عَيني بطلعة وجهه … فكان لها مِنْ صَوبِ أَدْمُعِها غَسْلُ