للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أول ما عرف منها حياة العالم، وذلك أن رجلًا كان به ورم حار في ذراعه، فلما أشفى منه ارتاح إلى الخروج إلى شاطئ نهر، فحمل إليه وكان عليه نباته، فوضع يده عليه تَبَرُّدًا به، فخف ألمه بذلك، فاستطال وضعها عليه ثم أصبح ففعل ذلك فبرئ. فلما رأى الناس سرعة برئه، علموا أنه إنما كان بما وضع يده عليه فسموه حياة العالم، ثم جففوه. ثم لم يزل الرازي يسأل حتى حسن له التعليم، فتعلم. قال: والذي صح عندي أن الرازي كان أقدم زمانًا من عضد الدولة بن بويه، وإنما كان تردده إلى المارستان قبل أن يجدد.

وقال ابن جلجل: إن الرازي كان في ابتداء أمره يضرب بالعود، ثم أكب على النظر في الفلسفة والطب، فبرع براعة المتقدمين.

وقال صاعد إنما لم يوغل في العلم الإلهي، ولا فهم غرضه الأقصى فاضطرب رأيه، وتقلد آراء سخيفة، وانتحل مذاهب خبيثة، وذم أقوامًا لم يفهم عنهم، ولا اهتدى لسبيلهم، وكان يتنقل في البلدان، وكان كريمًا متفضلًا، بارًا بالناس، محسنًا إلى الفقراء، يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهم، وكان لا يفارق التسويد والتبييض، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكل الباقلا ثم عمي آخر عمره.

قال التنوخي: إنَّ غلامًا قدم الري وهو ينفث الدم، فأحضر إليه الرازي، فلم تظهر له علائم سل ولا قرحة، فسأله متى بدأ به المرض فقال: من الطريق، فسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنها من الصهاريج ومستنقعات الأرض، فوقع في نفس الرازي أنه ابتلع علقة، وأنَّ نفث الدم منها، فقال له: إذا كان في غد جئتك فداويتك، ثم لا أنصرف عنك حتى تبرأ بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم، فقال: نعم، فلما أصبح أتاه بطحلب كثير، وقال له: ابتلع هذا، فابتلع يسيرًا ثم قال: لا أستطيع، فأمر الغلمان بأن ينيموه على قفاه ويفتحوا فاه ثم جعل يبلعه الطحلب كرهًا، ويطالبه ببلعه والرجل يستغيث، والرازي لا يكف إلى أن ذرع الرجل القيء، فقذف ما في جوفه، وإذا به اعتلقت به العلقة؛ لأن الطحلب لما وصل إليها رمت إليه بالطبع والتفت عليه، ثم قام الرجل معافى.

وقال ابن معروف: كان الرازي يقول: أنا لا أُسمّي فيلسوفًا إلا من علم صناعة الكيمياء؛ لأنه يكون قد استغنى عن الناس، وتنزه عما في أيديهم.

وحكي: أن الوزير أكل عند الرازي أطعمة استطابها، فتحيل في مشترى طباخته، ثم لم يجد بطبيخها له ما في نفسه، فسألها عن السبب، فأخبرته أن قدور الرازي وماعونه كله ذهب وفضةٌ، فسأله أن يعلمه علم الكيمياء، فأنكره، فخنقه بوتر.

<<  <  ج: ص:  >  >>