للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال أبو المواهب ابن صصري: كنت أذاكر أبا القاسم الحافظ عن الحفاظ الذين لقيهم، فقال: أما ببغداد فأبو عامر العبدري، وأما بأصبهان فأبو نصر اليونارتي، لكن إسماعيل بن محمد الحافظ كان أشهر، فقلت: فعلى هذا ما رأى سيدنا مثل نفسه؟، قال: لا تقل هذا، قال الله ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١) قلت: فقد قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) فقال: لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق.

ثم قال أبو المواهب: وأنا لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدّة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا مِنْ عُذْرٍ، ومن الاعتكاف في رمضان، وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك، وبناء الدور. قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة، والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال لي: لما عزمت على الحديث - والله المطلع - أنه ما حملني على ذلك حبّ الرئاسة والتقدم، بل قلت: متى أروي كل ما سمعت؟ وأي فائدة في كوني أُخَلّفه في صحائف، فاستخرت الله، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكلهم قال: من أحق بهذا منك؟ فشرعت في ذلك سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.

وكان حافظ العصر أبو الحجاج المزي يميل إلى أنَّ ابن عساكر ما رأى حافظًا مثل نفسه.

وقال الحافظ عبد القادر: ما رأيتُ أحفظ من ابن عساكر.

وقال ابن النجار: أبو القاسم إمام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان والثقة والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن، وكان فقيهًا أديبًا سنيًا.

[كان قد توجه لزيارة القدس، ثم أتى مصر، فأكرم الملك العزيز مقدمه، وسُرَّ به كافة أهل مصر.

كتب الفاضل إلى الملك الناصر في أمره كتابًا منه: «المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر، لا زالت عواطفه مرجوّة، ومحاسنه متلوّة، وعوارفه برة بالحظوظ المحفوة، ومكارمه تأخذ كتاب السؤال بقوّة، وينهي أنه كان قد وصل الخبر بأن الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبا القاسم بن عساكر، قد زار بيت المقدس قدس الله


(١) سورة النجم: الآية ٣٢.
(٢) سورة الضحى: الآية ١١.

<<  <  ج: ص:  >  >>