للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإما عرف حقائق أخبارها، وإما تنسم، فاستطالت به وطال لسانها، وشكر إحسانها، وعاد بها عصر آل جفنة وحسّانها، ومثلت خلفاؤها من بني مروان، ومن خلفهم إلى من آواهم ذلك الأوان، ومن وفد عليها، وورد إليها، وبحث عما بين العريش إلى الفرات، حتى حسرت عن كنوزها، وسحرت برموزها وشنأت العراق وعيرتها بغدر ابن جرموزها، وعابتها إذ ذكرت أيام صفين بنشوزها، وأصغرت قدر تاريخها، وقد جهد فيه الخطيب، وجمد عليه، وما اهتر غصنه الرطيب حمية توقدت بين جانبيه لبلدته التي أخرجته من أقدم بيوتها، وجاءت به مفاخرها لثبوتها، من بقية كان زمان يزيد بن معاوية أولهم، ثم انتهى إليه موئلهم، ثم ما ارتفع بعده لبيته المنيف جدار، ولا ألم الفضل له بدار.

ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة في أولها، وسمع سنة خمس وخمسمائة باعتناء أبيه وأخيه الإمام صائن الدين هبة الله، وعدد شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ونيّف وثمانون امرأة.

وصنف التاريخ في ثمانين مجلدًا، وله مصنفات أخر تقارب ثلاثين مجلدًا، وأما الأجزاء فشيء كثير، وأملى في أبواب العلم أربعمائة مجلس وثمانية مجالس، وخرج لجماعة.

قال السمعاني: أبو القاسم حافظ ثقة متقن دين خير حسن السمت، جمع بين معرفة المتن والإسناد، وكان كثير العلم غزير الفضل صحيح القراءة متثبتًا، رحل وتعب، وبالغ في الطلب، وجمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على الأقران.

وحكي عن الفراوي قال: قدم ابن عساكر فقرأ ثلاثة أيام، فأكثر وأضجرني، وآليتُ على نفسي أن أغلق بابي؛ فلما أصبحنا قدم علي شخص، وقال: أنا رسول رسول الله اليك. قلتُ: مرحبا بك! فقال: قال لي في النوم: امض إلى الفراوي، وقُلْ له: قدم بلدكم رجل شامي أسمر اللون يطلب حديثي، فلا تملّ منه. قال الراوي: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم ابن عساكر.

وقال المحدّث بهاء الدين القاسم: كان أبي مواظبًا على الجماعة والتلاوة ويختم كُلّ جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، ويُحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه كل لحظة تذهب. قال لي: لما حملت أمي قيل لها في منامها: تلدين غلامًا يكون له شأن.

وحدثني: أنَّ أباه رأى رؤيا معناها يُولد لك ابن يحيي الله به السنة.

<<  <  ج: ص:  >  >>