للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

طغت في سيل الليل النجوم، وطعنت ذبالها.

وهو الذي ما سبق إلى ترتيبه، ولا عُرف كيف الوصول إليه من تبويبه، ولا ادعى أحد مثل ضبطه، ولا قدر على التوفية بشرطه، وما برح من فضله يغترف، وبتفضيله يعترف.

وأكثر الناس على أنه في كتب الحديث أصح كتاب، وأسح سحاب، وأفسح معتى يدخل إليه من كل باب، تدفّق، فاستوشلت البحار، وتألق، فتدأدأت الأقمار، وطلع من بخارى، فعقد الشكر عليها سحاب عنبر من بخار، وهمع ما وراء النهر، نوؤه فرقصت في وشاح الحبب الأنهار، وقطع مؤلفه به الدنيا حتى دخلت عليه الملائكة قائلة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١).

رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق والشام، ومصر، والحجاز. ولما قدم، اجتمع إليه أهلها، واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.

قال محمد بن أبي حاتم الورّاق: قلتُ لأبي عبد الله البخاري كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟، قال: ألهمت حفظ الحديث، وأنا في الكتاب، وقد أتى علي عشر سنين، أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلتُ أختلف إلى الداخلي وغيره. وقال يومًا فيما كان يقرأ للناس سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلتُ له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل، ونظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟، فقلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه، فقال: صدقت، فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟، فقال: ابن إحدى عشرة سنة، فلما طعنت في ستّ عشرة سنة، حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وكلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة. فلما حججت رجع أخي أحمد، وتخلفت بها في طلب الحديث، فلما طعنت في ثماني عشرة، جعلت أصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى عند قبر النبي في الليالي المقمرة.

وقال الفربري: رأيت النبي في النوم، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل، فقال: أقرئه مني السلام.


(١) سورة الرعد: الآية ٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>