للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

أَمَرَ الرَّبِيعُ رِجَالَهُ أَنْ يُعِدُّوا الْمَكَانَ لِاسْتِقْبَالِ "بَرْوِيزَ"، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُكَدِّسُوا حَوْلَ الْمَجْلِس أَكْوَامًا مِنْ جُتَثِ قَتْلَى الْفُرْسِ …

وَأَنْ يَطْرَحُوا عَلَى جَانِتِي الطَّرِيقِ الَّذِي سَيَمُرُّ بِهِ "بَرْوِيزُ"، جُثَثَّا أُخْرَى? مَنْثُورَةٌ فِي غَيْرِ نِظَامٍ.

وَكَانَ الرَّبِيعُ طَوِيلَ الْقَامَةِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، شَدِيدَ السُّمْرَةِ، ضَخْمَ الْجُثَّةِ يَبْعَثُ الرَّوْعَ فِي نَفْسِ مَنْ يَرَاهُ.

فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ "بَرْوِيزُ" ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ جَزَعًا مِنْهُ، وَانْخَلَعَ فُؤَادُهُ هَلَعًا مِنْ مَنْظَرِ الْقَتْلَى فَلَمْ يَجْرُؤُ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ، وَخَافَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِمُصَافَحَتِهِ …

وَكَلَّمَهُ بِلِسَانٍ مُتَلَجْلِج مُلْتَاثٍ، وَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ لَهُ أَلْفَ وَصِيفٍ (١) وَعَلَى رَأْسِ كُلِّ وَصِيفٍ جَامٌ (٢) مِنَ الذَّهَبِ؛ فَقَبِلَ الرَّبِيعُ وَصَالَحَ "بَرْوِيزَ" عَلَى ذَلِكَ.

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي دَخَلَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْمَدِينَةَ يَحُفُّ بِهِ هَذَا الْمَوْكِبُ مِنَ الْوُصَفَاءِ بَيْنَ تَهْلِيلِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكْبِيرِهِمْ …

فَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ.

* * *

ظَلَّ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ سَيْفًا مُصْلَتًا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ يَصُولُونَ بِهِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ؛ فَفَتَحَ لَهُمُ الْمُدُنَ، وَوَلِيَ لَهُمُ الْوِلَايَاتِ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى بَنِي "أُمَيَّة"، فَوَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ "خُرَاسَانَ"

بَيْدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ لِهَذِهِ الْوِلَايَةِ …

وَقَدْ زَادَهُ انْقِبَاضًا مِنْهَا وَكُرْهًا لَهَا أَنَّ "زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ" أَحَدَ كِبَارِ وَلَاةٍ بَنِي "أُمَيَّةَ" بَعَثَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَقُولُ فِيهِ:


(١) الوصيف: الغُلام.
(٢) جامٌ: كأسٌ.

<<  <  ج: ص:  >  >>