وَإِلَّا فَضَعْ فِي رِقَابِهِمُ السَّيْفَ (١) فِي غَيْرِ هَوَادَةٍ …
وَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُتْبَةُ فِيمَا وُلِّيتَ عَلَيْهِ …
وَإِيَّاكَ أَنْ تُنَازِعَكَ (٢) نَفْسُكَ إِلَى كِبْرٍ يُفْسِدُ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَعَزَّكَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَقَوَّاكَ بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا مُسَلَّطًا، وَقَائِدًا مُطَاعًا، تَقُولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وتَأْمُرُ فَيُطَاعُ أَمْرُكَ … فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ إِذَا هِيَ لَمْ تُبْطِرْكَ (٣) وَتَخْدَعْكَ وَتَهْوِ بِكَ إِلَى جَهَنَّمَ أَعَاذَكَ اللَّهُ وَأَعَاذَنِي مِنْهَا.
* * *
مَضَى عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بِرِجَالِهِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ أُخْرَيَاتٌ مِنْ زَوْجَاتِ الْجُنْدِ وَأَخَوَاتِهِمْ، حَتَّى نَزَلُوا فِي أَرْضِ قَصْبَاءَ (٤) لَا تَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ مَدِينَةِ "الْأُبْلَّةِ".
وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ شَيْءٌ يَأْكُلُونَهُ …
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْجُوعُ قَالَ عُتْبَةُ لِنَفَرٍ مِنْهُمْ: الْتَمِسُوا (٥) لَنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ شَيْئًا نَأْكُلُهُ.
فَقَامُوا يَبْحَثُونَ عَمَّا يَسُدُّ جَوْعَتَهُمْ، فَكَانَتْ لَهُمْ مَعَ الطَّعَامِ قِصَّةٌ رَوَاهَا أَحَدُهُمْ فَقَالَ:
بَيْنَمَا كُنَا نَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ نَأْكُلُهُ؛ دَخَلْنَا أَجَمَةً (٦) فَإِذَا فِيهَا زِنْبِيلَانِ (٧) فِي أَحَدِهِمَا تَمْرٌ، وَفِي الْآخَرِ حَبٌّ أَبْيَضُ صَغِيرٌ مُغَطًّى بِقِشْرٍ أَصْفَرَ، فَجَذَبْنَاهُمَا حَتَّى أَدْنَيْنَاهُمَا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَنَظَرَ أَحَدُنَا إِلَى الزِّنْبِيلِ الَّذِي فِيهِ الْحَبُّ وَقَالَ:
(١) ضع السّيف فِي رقابهم: حاربهم واقتلهم.(٢) تنازِعك نَفْسُك: تدعوك نَفْسُك.(٣) تبطرك: الْبَطَرُ سوء التّصرُف بالنّعمة.(٤) قصباء: ذات قَصَب، والْقصب: نباتٌ مائي مُجَوَّفٌ.(٥) التمسوا: ابحثوا واطلبوا.(٦) الْأجمة: الشّجر الْكثيرُ الْملتفُّ.(٧) الزّنبيل: الْقفَّة.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.