هَذَا سُمٌّ أَعَدَّهُ لَكُمُ الْعَدُوُّ، فَلَا تَقْرَبُنَّهُ.
فَمِلْنَا إِلَى التَّمْرِ، وَجَعَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهُ …
وَفِيمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بِفَرَسٍ قَدْ قَطَعَ قِيَادَهُ (١)، وَأَقْبَلَ عَلَى زِنْبِيلِ الْحَبِّ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْنَا بِأَنْ نَذْبَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ لِنَنْتَفِعَ بِلَحْمِهِ.
فَقَامَ إِلَيْنَا صَاحِبُهُ وَقَالَ: دَعُوهُ، وَسَأَحْرُسُهُ اللَّيْلَةَ فَإِنْ أَحْسَسْتُ بِمَوْتِهِ ذَبَحْتُهُ … فَلَمَّا أَصْبَحْنَا وَجَدْنَا الْفَرَسَ مُعَافًى لَا ضَرَرَ فِيهِ.
فَقَالَتْ أُخْتِي:
يَا أَخِي، إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: إِنَّ السُّمَّ لَا يَضُرُّ إِذَا وُضِعَ عَلَى النَّارِ وَأُنْضِجَ.
ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنَ الْحَبِّ وَوَضَعَتْهُ فِي الْقِدْرِ، وَأَوْقَدَتْ تَحْتَهُ.
ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ قَالَتْ: تَعَالَوْا انْظُرُوا كَيْفَ احْمَرَّ لَوْنُهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَشَقَّقُ عَنْهُ قِشْرُهُ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ حُبُوبُهُ الْبِيضُ.
فَأَلْقَيْنَاهُ فِي الْجَفْنَةِ (٢) لِنَأْكُلَهُ، فَقَالَ لَنَا عُتْبَةُ:
اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ … فَأَكَلْنَاهُ فَإِذَا هُوَ غَايَةٌ فِي الطِّيبِ.
ثُمَّ عَرَفْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَهُ الْأَرْزُّ.
* * *
كَانَتِ "الْأُبْلَّةُ" الَّتِي اتَّجَهَ إِلَيْهَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بِجَيْشِهِ الصَّغِيرِ مَدِينَةً حَصِينَةً قَائِمَةً عَلَى شَاطِئِ "دِجْلَةَ" (٣) …
وَكَانَ الْفُرْسُ قَدِ اتَّخَذُوهَا مَخَازِنَ لِأَسْلِحَتِهِمْ.
(١) قطع قيادّه: قطع رَسَنَه.
(٢) الْجفنة: الْقصعة الْكبيرة.
(٣) دِجْلة: نهر ينبعٍ من تركيا ثُمَّ يجري فِي الْعراق، ويصبُّ فِي شط الْعرب.