فَقَالَ: أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ …
فَإِنْ فَعَلْتَ؛ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ، وَأَكْرَمْتُ مَثْوَاكَ.
فَقَالَ الْأَسِيرُ فِي أَنَفَةٍ وَحَزْمٍ: هَيْهَاتَ …
إِنَّ الْمَوْتَ لأَحَبُّ إِلَيَّ أَلْفَ مَرَّةٍ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ.
فَقَالَ "قَيْصَرُ": إِنِّي لأَرَاكَ رَجُلًا شَهْمًا … فَإِنْ أَجَبْتَنِي إِلَى مَا أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمْرِي وَقَاسَمْتُكَ سُلْطَانِي.
فَتَبَسَّمَ الْأَسِيرُ الْمُكَبَّلُ (١) بِقِيُودِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكَ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ (٢) مَا فَعَلْتُ.
قَالَ: إِذَنْ أَقْتُلُكَ.
قَالَ: أَنْتَ وَمَا تُرِيدُ …
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِقَنَّاصَتِهِ - بِالرُّومِيَّةِ -: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ التَّنَصُّرَ فَأَبَى.
فَقَالَ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مُفَارَقَةً دِينِهِ فَأَبَى.
عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُنْزِلُوهُ عَنْ خَشَبَةِ الصَّلْبِ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرِ عَظِيمَةٍ فَصُبَّ فِيهَا الزَّيْتُ، وَرُفِعَتْ عَلَى النَّارِ حَتَّى غَلَتْ ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا أَنْ يُلْقَى فِيهَا فَأُلْقِي، فَإِذَا لَحْمُهُ يَتَفَتَّتُ … وَإِذَا عِظَامُهُ تَبْدُو عَارِيَةً … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَدَعَاهُ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَكَانَ أَشَدَّ إِبَاءً لَهَا مِنْ قَبْلُ.
فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ؛ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِي الْقِدْرِ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا صَاحِبَاهُ فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ رِجَالُ "قَيْصَرَ" لِمَلِكِهِمْ: إِنَّهُ قَدْ بَكَى … فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ
(١) المكبَّل: المقيَّد.
(٢) طرفة عين: بمقدارِ ما تَطْرِف العين.