أَمْهِلْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ لِأَنْظُرَ فِيمَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ، ثُمَّ أُعْلِمَكَ.
فَقَالَ: (لَا بَأْسَ عَلَيْكَ).
وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ شَابًّا فَقِيرًا لَا أَهْلَ لِي وَلَا مَالَ وَلَا سَكَنَ. وَإِنَّمَا كُنْتُ آوِي إِلَى صُفَّةِ (١) الْمَسْجِدِ مَعَ أَمْثَالِي مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ النَّاسُ يَدْعُونَنَا "بِضُيُوفِ الْإِسْلَامِ". فَإِذَا أَتَى أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِصَدَقَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِهَا كُلِّهَا إِلَيْنَا.
وَإِذَا أَهْدَى لَهُ أَحَدٌ هَدِيَّةً أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا، وَجَعَلَ بَاقِيَهَا لَنَا.
فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنْ أَطْلُبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، أَغْتَنِي بِهِ مِنْ فَقْرٍ، وَأَغْدُو كَالْآخَرِينَ ذَا مَالٍ وَزَوْجٍ وَوَلَدٍ.
لَكِنِّي مَا لَبِثْتُ أَنْ قُلْتُ: تَبًّا (٢) لَكَ يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ، إِنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، وَإِنَّ لَكَ فِيهَا رِزْقًا كَفَلَهُ اللَّهُ ﷿، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَكَ.
وَالرَّسُولُ ﷺ فِي مَنْزِلَةٍ عِنْدَ رَبِّهِ لَا يُرَدُّ لَهُ مَعَهَا طَلَبٌ. فَاطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَسَأَلَ اللَّهَ لَكَ مِنْ فَضْلِ الْآخِرَةِ.
فَطَابَتْ نَفْسِي لِذَلِكَ، وَاسْتَرَاحَتْ لَهُ.
ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا تَقُولُ يَا رَبِيعَةُ؟!).
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ لِيَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنِي رَفِيقًا لَكَ فِي الْجَنَّةِ.
فَقَالَ ﷺ: (مَنْ أَوْصَاكَ بِذَلِكَ؟).
فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا أَوْصَانِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّكَ حِينَ قُلْتَ لِي: سَلْنِي
(١) الصُّفَّة: مكان في مسجد رَسُول الله ﷺ كان يأوي إليه الْفقراء الَّذِين لا بيوت لهم، وكانوا يُدْعَوْنَ أَهْل الصُّفَّة.
(٢) تبًّا لك: التّبُّ الْهلاكُ والْبوارُ.