أَسِيرُ مَعَهُ أَيْنَمَا سَارَ، وَأَدُّورُ فِي فَلَكِهِ كَيْفَمَا دَارَ.
فَمَا رَمَى بِطَرْفِهِ (١) مَرَّةً نَحْوِي إِلَّا مَثُلْتُ (٢) وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَمَا تَشَوَّفَ (٣) لِحَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ إِلَّا وَجَدَنِي مُسْرِعًا فِي قَضَائِهَا.
وَكُنْتُ أَخْدِمُهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، فَإِذَا انْقَضَى النَّهَارُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ وَأَوَى إِلَى بَيْتِهِ؛ أَهِمُّ بِالانْصِرَافِ.
لَكِنِّي مَا أَلْبَثُ أَنْ أَقُولَ فِي نَفْسِي: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي يَا رَبِيعَةُ؟! …
فَلَعَلَّهَا تَعْرِضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَةٌ فِي اللَّيْلِ.
فَأَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ وَلَا أَتَحَوَّلُ عَنْ عَتَبَةِ بَيْتِهِ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ لَيْلَهُ قَائِمًا يُصَلِّي؛ فَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٤)، فَمَا يَزَالُ يُكَرِّرُهَا هَزِيعًا (٥) مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى أَمَلَّ فَأَتْرُكَهُ، أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنَايَ فَأَنَامَ. وَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فَمَا يَزَالُ يُرَدِّدُهَا زَمَنًا أَطْوَلَ مِنْ تَرْدِيدِهِ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
* * *
وقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَا صَنَعَ لَهُ أَحَدٌ مَعْرُوفًا إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ.
وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَنِي عَلَى خِدْمَتِي لَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ:
(يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ).
فَقُلْتُ: لَبَيَّكَ (٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ (٧).
فَقَالَ: (سَلْنِي شَيْئًا أُعْطِهِ لَكَ).
فَرَوَّيْتُ (٨) قَلِيلًا ثُمَّ قُلْتُ:
(١) رَمَى بطرفه: نظر بطرف عينيه.
(٢) مثلت واقفًا: بادَرْت واقفًا.
(٣) تَشَوَّف لحاجة: تَطَلَّعَ لحاجة.
(٤) فاتحة الْكتاب: سورة الحمد.
(٥) الْهزيع من اللّيل: الشَّطر من اللّيل، ثلثه أو نصفُه أو جزء مِنه.
(٦) لبيك: سمعًا وإجابةً لك.
(٧) سعديك: أسْعَدَك الله إسعادًا بعد إسعاد.
(٨) روَّيت قليلا: فَكَّرْت قليلا.